ضغط الحياة اليومية يضرب التركيز.. كيف تتعامل مع الإرهاق الذهني؟.. أستاذ مخ وأعصاب يكشف السبب
أوضح الدكتور عمرو الحسني، أستاذ المخ والأعصاب، أن النسيان المتكرر لا يعني بالضرورة وجود ضعف في الذاكرة، مشيرًا إلى أن المشكلة في كثير من الحالات قد ترتبط بتراجع القدرة على التركيز والانتباه أثناء استقبال المعلومات من الأساس، وهو ما يجعل الشخص يشعر لاحقًا بأنه نسي معلومة لم يتمكن عقله من تسجيلها بصورة جيدة.
وتأتي هذه التوضيحات في ظل انتشار شكاوى النسيان وتشتت الانتباه بين مختلف الفئات العمرية، خاصة مع زيادة ضغوط الحياة اليومية وكثرة استخدام الهواتف المحمولة وتعدد المهام التي يتعامل معها الشخص في الوقت نفسه، وهي عوامل قد تؤثر على جودة الانتباه وتزيد الشعور بالإجهاد الذهني.
التركيز أول خطوة في عملية التذكر
يرتبط التذكر الجيد في الأساس بقدرة العقل على الانتباه للمعلومة واستقبالها بصورة واضحة، ولذلك فإن الشخص الذي يكون ذهنه منشغلًا بعدة أمور في الوقت نفسه قد يواجه صعوبة في تذكر تفاصيل حدثت أمامه، ليس بالضرورة لأن ذاكرته ضعيفة، ولكن لأن المعلومة لم تحصل على القدر الكافي من التركيز أثناء استقبالها.
ومن هنا يوضح خبراء المخ والأعصاب أهمية التفرقة بين النسيان الناتج عن ضعف التركيز وبين المشكلات المستمرة التي تستدعي تقييمًا طبيًا، خاصة أن تكرار السهو قد يكون مرتبطًا بعادات يومية وضغوط نفسية وإجهاد عقلي أكثر من ارتباطه بخلل مباشر في الذاكرة.
ضغط الحياة اليومية يشتت العقل
أكد عمرو الحسني أن ضغط الحياة اليومية أصبح من العوامل المؤثرة بصورة واضحة على مستوى الانتباه والتركيز، موضحًا أن الشخص قد يبدأ يومه بعدد كبير من المهام والمسؤوليات والأفكار التي تتنافس على انتباهه، الأمر الذي يجعل الحفاظ على التركيز لفترات طويلة أكثر صعوبة.
ويزداد الأمر وضوحًا عندما يستمر الضغط الذهني على مدار اليوم دون فترات حقيقية للراحة، إذ يظل العقل في حالة انشغال متواصل بين المهام والمعلومات والمواقف المختلفة، وهو ما قد يؤدي إلى الشعور بالإرهاق حتى عندما يعتقد الشخص أنه لم يبذل مجهودًا بدنيًا كبيرًا.
الإرهاق الذهني من أبرز أسباب تراجع الانتباه
وأشار أستاذ المخ والأعصاب إلى أن الإرهاق الذهني المستمر يمثل أحد أبرز الأسباب التي يمكن أن تؤثر على الانتباه، خاصة عندما يظل الشخص مطالبًا بالتفكير واتخاذ القرارات والتعامل مع معلومات متعددة دون الحصول على فترات كافية لاستعادة التركيز.
وقد يظهر هذا الإرهاق في صورة نسيان أسماء أو مواعيد أو تفاصيل بسيطة، أو فقدان القدرة على متابعة حديث طويل، أو الانتقال من مهمة إلى أخرى دون إكمال الأولى، وهي أمور قد تجعل الشخص يعتقد أن ذاكرته تراجعت بينما تكون المشكلة الأساسية مرتبطة بدرجة الانتباه.

الهاتف ومقاطع الفيديو القصيرة
حذر عمرو الحسني من الاستخدام المفرط للهاتف المحمول، خاصة تصفح مقاطع الفيديو القصيرة بصورة متواصلة، موضحًا أن الانتقال السريع بين المحتويات المختلفة يمثل مصدرًا مستمرًا للمشتتات التي تجعل العقل يتعامل مع عدد كبير من المعلومات خلال فترات زمنية قصيرة.
ولا تعني هذه الملاحظة أن استخدام الهاتف في حد ذاته يؤدي إلى ضعف الذاكرة، وإنما يرتبط الأمر بطريقة الاستخدام ومدى الاعتماد على التنقل المستمر بين المحتويات والتنبيهات والتطبيقات، وهو ما قد يجعل الشخص أكثر اعتيادًا على الانتقال السريع بدلًا من التركيز المستمر في مهمة واحدة.
لماذا يشعر الشخص بأنه لا يستطيع التركيز؟
يمكن أن يزداد الشعور بتشتت الانتباه عندما يجمع الشخص بين العمل أو الدراسة واستخدام الهاتف والرد على الرسائل ومتابعة الأخبار والتفكير في مشكلات أخرى في الوقت نفسه، لأن العقل ينتقل باستمرار بين مصادر مختلفة للمعلومات بدلًا من توجيه انتباهه بصورة مستقرة إلى مهمة واحدة.
وأوضح أستاذ المخ والأعصاب أن الاعتقاد الشائع بأن الإنسان يستطيع تنفيذ مهمتين بنفس الكفاءة في الوقت نفسه ليس دقيقًا، لأن ما يحدث غالبًا هو انتقال سريع للانتباه بين المهام، وهذا الانتقال المتكرر قد يستهلك قدرًا إضافيًا من الطاقة الذهنية.
التفكير الزائد وعلاقته بالنسيان
لفت الحسني إلى أن الأشخاص الذين يعانون من التفكير الزائد يكونون أكثر عرضة لتشتت الانتباه، لأن أذهانهم قد تظل منشغلة بأفكار ومخاوف ومواقف لا ترتبط بالعمل أو المهمة التي يحاولون تنفيذها في اللحظة نفسها.
وعندما يظل العقل مشغولًا بالتفكير في أكثر من موضوع، تصبح عملية التركيز على المعلومة الجديدة أكثر صعوبة، وبالتالي قد يشعر الشخص بعد فترة بأنه نسي ما سمعه أو قرأه، بينما تكون المشكلة في الأساس أن انتباهه كان موزعًا لحظة استقبال المعلومة.
تعدد المهام يرفع الإجهاد الذهني
يؤدي الانتقال المستمر بين المهام إلى زيادة الشعور بالإجهاد في نهاية اليوم، خاصة إذا كان الشخص ينتقل طوال الوقت بين العمل والهاتف والمحادثات والرسائل ومواقع التواصل الاجتماعي وغيرها من مصادر المعلومات، وهو ما يجعل العقل يعمل بصورة متواصلة دون مساحة كافية للتركيز الهادئ.
ولهذا فإن تقليل تعدد المهام وترتيب الأولويات يمكن أن يساعد على جعل الانتباه أكثر استقرارًا، كما أن تخصيص فترات زمنية لمهمة واحدة قد يكون أكثر فاعلية من محاولة إنجاز عدة أمور في اللحظة نفسها.
النوم الكافي لا يمنع الإرهاق دائمًا
أوضح الحسني أن الشخص قد يشعر بالإجهاد في نهاية اليوم حتى إذا حصل على عدد ساعات نوم كافية، لأن الراحة لا ترتبط بعدد ساعات النوم فقط، وإنما تتأثر أيضًا بمستوى الضغط الذهني وطبيعة الأنشطة التي يقوم بها الشخص خلال ساعات الاستيقاظ.
ويعني ذلك أن الحصول على نوم مناسب لا يلغي الحاجة إلى فترات راحة ذهنية خلال اليوم، خاصة بالنسبة للأشخاص الذين يعملون لساعات طويلة أمام الشاشات أو يتعاملون باستمرار مع المعلومات والتنبيهات والمحتويات المتغيرة.
الكافيين والتركيز.. دائرة متكررة
تطرق أستاذ المخ والأعصاب كذلك إلى الاعتماد المتكرر على الكافيين بهدف تعزيز الانتباه، موضحًا أن الإفراط في الاعتماد عليه قد يدخل الشخص في دائرة تبدأ بضعف التركيز ثم تؤثر على النوم، الأمر الذي قد يدفعه لاحقًا إلى تناول المزيد من الكافيين لمحاولة استعادة نشاطه.
ومن هنا تأتي أهمية التعامل مع أسباب الإرهاق والتشتت بدلًا من الاعتماد المستمر على المنبهات، مع الانتباه إلى أن تأثير الكافيين يختلف من شخص إلى آخر، وأن توقيت تناوله وكميته قد يؤثران على النوم لدى بعض الأشخاص.
كيف يمكن تقليل تشتت الانتباه؟
يمكن التعامل مع تشتت الانتباه من خلال تقليل مصادر التشتيت أثناء أداء المهام، ووضع الهاتف بعيدًا عند الحاجة إلى التركيز، وتقسيم الأعمال الكبيرة إلى خطوات واضحة، إلى جانب منح العقل فترات قصيرة للراحة بدلًا من الاستمرار في الانتقال بين المهام والمحتويات المختلفة.
كما يساعد تنظيم اليوم وتحديد الأولويات على تقليل الضغط الناتج عن محاولة إنجاز كل شيء في الوقت نفسه، بينما يظل النوم المنتظم والنشاط البدني والعادات اليومية المتوازنة عوامل مهمة للحفاظ على الأداء الذهني بصورة أفضل.
متى يحتاج النسيان إلى اهتمام أكبر؟
رغم أن النسيان العابر قد يرتبط بالإرهاق أو التشتت أو انشغال الذهن، فإن استمرار المشكلة بصورة ملحوظة أو تأثيرها على الحياة اليومية يستدعي عدم تجاهلها، خاصة إذا صاحبها تغير واضح في القدرات الذهنية أو صعوبة متزايدة في أداء المهام المعتادة.
وفي هذه الحالات، يكون التقييم الطبي هو الطريق الأنسب لتحديد السبب، بدلًا من افتراض أن كل نسيان سببه ضعف الذاكرة أو محاولة علاج المشكلة بصورة عشوائية، لأن أسباب مشكلات التركيز والتذكر متعددة وتختلف من شخص إلى آخر.