< من يقف وراء استهداف العلماء الألمان في مشروع مصر الصاروخي عام 1962؟
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

من يقف وراء استهداف العلماء الألمان في مشروع مصر الصاروخي عام 1962؟

الرئيس نيوز

في صيف عام 1962، استيقظ الإسرائيليون على كابوسهم الأكبر، حين أعلنت الصحف المصرية نجاح اختبار إطلاق أربعة صواريخ “أرض-أرض” في 21 يوليو، ثم استعرض الجيش المصري هذه الصواريخ في شوارع القاهرة أمام نحو 300 دبلوماسي أجنبي بعد أيام قليلة. 

بالنسبة لإسرائيل، كان المشهد أكثر من استعراض عسكري؛ فقد كشف أن مصر قطعت شوطًا مهمًا في بناء قدرة صاروخية بمساعدة خبراء أجانب، بينهم علماء ألمان ارتبط بعضهم ببرامج الصواريخ والطيران الألمانية خلال الحرب العالمية الثانية، وفقًا لمجلة نيوزويك الأمريكية. 

ووصف أرشيف الموساد، في مراجعة أجراها عام 1982، الحدث بأنه «أحد أخطر وأكثر الأحداث صدمة» في تاريخ الاستخبارات الإسرائيلية، ومن هنا بدأت عملية داموكليس، وهي حملة سرية استهدفت العلماء والخبراء والموردين المرتبطين ببرنامج الصواريخ المصري، وانتهت إلى تهديدات وطرود مفخخة ومحاولات اغتيال واختفاء عالم ألماني يدعى هاينز كروج.

القاهرة تعرض الصواريخ وتل أبيب تبحث عن صانعيها

كانت مصر تريد الانتقال من الاعتماد على الأسلحة المستوردة إلى بناء قدرة عسكرية محلية، لكن تطوير الصواريخ يحتاج إلى خبرات علمية وصناعية لا يمكن تأسيسها سريعًا، لذلك استعانت القاهرة بمهندسين وعلماء ألمان يمتلكون خبرة في الصواريخ والطيران والدفع، مستفيدة من الخبرات الألمانية التي انتشرت بعد الحرب العالمية الثانية.

وبالنسبة إلى إسرائيل، لم تكن الصواريخ الأربعة هي المشكلة الأساسية، بل احتمال تحول المشروع إلى صناعة صاروخية قادرة على التطور بصورة مستقلة، فوجود العلماء والمصانع والمعدات وشبكات التوريد يعني أن مصر كانت تحاول بناء المعرفة اللازمة لصناعة السلاح، لا مجرد شراءه، وهنا بدأ التفكير الإسرائيلي في استهداف الشبكة التي تقف وراء الصاروخ.

داموكليس حين أصبحت المعرفة هدفًا

بدأت إسرائيل حملة سرية حملت اسم داموكليس، وركزت على العلماء الألمان والشركات والموردين المرتبطين بالمشروع المصري، ولم تكن العملية ضربة عسكرية واحدة، وإنما سلسلة من الإجراءات تراوحت بين جمع المعلومات والضغط والتهديد والعمليات العنيفة.

وصلت رسائل وطرود مفخخة إلى أشخاص مرتبطين بالبرنامج، وأصيب بعض المستهدفين، بينما أدى انفجار في موقع مصري مرتبط بالمشروع إلى مقتل خمسة أشخاص. ومع تصاعد الهجمات، أصبح استمرار العمل مع القاهرة مخاطرة شخصية بالنسبة إلى عدد من العلماء الألمان.

هاينز كروج الرجل الذي دخل قلب القصة

كان هاينز كروج من أبرز الأسماء المرتبطة بالمشروع. ولم يقتصر دوره على العمل التقني، إذ ارتبط بشركة إنترا التي شاركت في التعامل مع معدات وشحنات متصلة بالمشروع، ما جعله حلقة مهمة بين القاهرة ومصادر التكنولوجيا الأوروبية.

وفي سبتمبر 1962، بعد أسابيع قليلة من استعراض الصواريخ المصرية، كان كروج في مكتبه بمدينة ميونخ. وصل رجل قدم نفسه باسم السيد صالح. دار بينهما حديث، ثم خرج الرجلان معًا. كانت تلك آخر مرة شوهد فيها كروج.

سيارة متروكة وعالم بلا أثر

لم يعد كروج إلى منزله، فأبلغت عائلته عن اختفائه. بدأت الشرطة الألمانية البحث عنه، ثم عثرت على سيارته في منطقة زولن قرب ميونخ، أما الرجل نفسه فلم يظهر. 

في البداية، لم يكن هناك دليل علني يحسم الجهة التي تقف وراء الاختفاء فظهرت فرضيات متعددة، وذهبت بعض الروايات المبكرة إلى احتمال تورط أجهزة مصرية، لكن القضية بقيت مفتوحة لعقود.

وبعدها ظهرت رواية مختلفة في تحقيقات الصحفي الإسرائيلي رونين برجمان، الذي استند إلى مقابلات مع مسؤولين ومصادر استخباراتية إسرائيلية، ووفق هذه الرواية، اختطف كروج بواسطة عناصر مرتبطة بالموساد ونقل إلى إسرائيل لاستجوابه، قبل أن يقتل لاحقًا، وإذا صحت هذه الرواية، فإن اختفاء كروج لم يكن حادثًا منفصلًا عن داموكليس، بل إحدى أكثر حلقاتها حساسية.

سكورزيني اسم آخر في الظلام

ظهر في القضية أيضًا اسم أوتو سكورزيني، الضابط السابق في قوات إس إس الذي اشتهر خلال الحرب العالمية الثانية بعملية تحرير موسوليني، وبعد الحرب ارتبط سكورزيني بشبكات أمنية واستخباراتية، وظهرت روايات عن صلاته بالموساد وقضية العلماء الألمان.

لكن نسب قتل كروج إلى سكورزيني تحديدًا ظل موضع خلاف، وتبدلت الروايات التي تناولت دوره، لذلك لا يمكن تقديمه باعتباره المسؤول المؤكد عن تصفية العالم الألماني. 

الأكثر ثباتًا أن داموكليس كانت حملة إسرائيلية، وأن روايات استخباراتية لاحقة نسبت اختفاء كروج وقتله إلى الموساد.

ألمانيا الغربية تدخل المشهد

مع استمرار التهديدات، وجدت ألمانيا الغربية نفسها أمام أزمة متزايدة، وعلماء ألمان يتعرضون للخطر، وشركات ترتبط بمشروع عسكري مصري، وعمليات سرية تجري على أراضيها.

بدأ الضغط على الشركات والعلماء لوقف التعاون مع القاهرة، ومع تزايد المخاطر انسحب عدد من الخبراء أو ابتعدوا عن المشروع، وهنا بدأت داموكليس تحقق هدفها الأهم: إضعاف شبكة الخبراء والتكنولوجيا التي يعتمد عليها البرنامج المصري ورفع تكلفة استمرارها، لكن العملية تحولت أيضًا إلى أزمة سياسية داخل إسرائيل، وانتهت في مارس 1963 باستقالة رئيس الموساد إيسر هاريل وسط خلافات حول إدارة الملف وتداعياته.

الصواريخ بقيت لكن الشبكة تلقت ضربة

لم توقف داموكليس الطموح المصري في مجال الصواريخ فورًا، ولم تنه المشروع بضربة واحدة، فاستمر العمل لسنوات، لكنه واجه صعوبات تقنية وسياسية وعسكرية متراكمة، بينما تراجعت تدريجيًا شبكة الخبراء الألمان التي كان يعول عليها. أما كروج، فظل الحلقة الأكثر غموضًا.

دخل مكتبه في ميونخ، التقى رجلًا باسم مستعار، خرج معه، ثم اختفى وبقيت السيارة والتحقيقات، وظهرت بعد عقود روايات تربط اختفاءه بالموساد، لكن التفاصيل الكاملة لم تُحسم علنًا.

وتكشف عملية داموكليس عن طبيعة مختلفة للحرب السرية في الشرق الأوسط، لم تكن المعركة على الصواريخ وحدها، بل على العلماء والمعدات والشركات وشبكات المعرفة التي تجعل امتلاك الصواريخ ممكنًا.