< فرنسا وأوكرانيا في المنافسة.. خريطة جديدة للقوة الاستخباراتية الأوروبية
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

فرنسا وأوكرانيا في المنافسة.. خريطة جديدة للقوة الاستخباراتية الأوروبية

بليز مترويلي
بليز مترويلي

كشف تصنيف استخباراتي حديث عن تصدر جهاز الاستخبارات السرية البريطاني "إم آي6" قائمة أقوى أجهزة الاستخبارات الخارجية في أوروبا، متفوقًا على عدد من الأجهزة العريقة، وعلى رأسها جهاز الاستخبارات الفرنسي المعروف باسم المديرية العامة للأمن الخارجي، في تقييم يعكس حجم المنافسة بين القوى الأوروبية في مجال جمع المعلومات والعمليات السرية.

ويأتي هذا التصنيف في وقت تشهد فيه الساحة الدولية تصاعدًا كبيرًا في أهمية العمل الاستخباراتي، مع اتساع الصراعات الجيوسياسية وتزايد الاعتماد على المعلومات الدقيقة في رسم القرارات السياسية والعسكرية، حيث أصبحت أجهزة الاستخبارات أحد أهم أدوات النفوذ للدول الكبرى.

تصنيف أوروبي يكشف موازين القوة الاستخباراتية

واعتمد التقييم الذي أجرته مجلة "ليكسبريس" الفرنسية بمشاركة عشرات المسؤولين والخبراء في المجال الاستخباراتي على مجموعة من المعايير المهمة، من بينها القدرة على جمع المعلومات، وكفاءة تنفيذ العمليات السرية، والانتشار الدولي، والتخطيط طويل المدى، بالإضافة إلى إدارة شبكات المصادر البشرية داخل الدول المستهدفة.

وحصل جهاز "إم آي6" البريطاني على المركز الأول بعدما جمع 251 نقطة، متقدمًا بفارق كبير على جهاز المديرية العامة للأمن الخارجي الفرنسي الذي حل ثانيًا برصيد 169 نقطة، بينما جاءت هولندا في المركز الثالث، وأوكرانيا في المرتبة الرابعة، وألمانيا في المركز الخامس ضمن قائمة أبرز الأجهزة الأوروبية.

ويعكس الترتيب اختلاف طبيعة العمل بين أجهزة الاستخبارات الأوروبية، فبعضها يعتمد بصورة أكبر على التكنولوجيا والتحليل الإلكتروني، بينما تركز أجهزة أخرى على بناء شبكات بشرية طويلة الأمد قادرة على اختراق دوائر صنع القرار في الدول المنافسة.

سر تفوق إم آي6.. الاستثمار في العنصر البشري

يرى خبراء ومسؤولون استخباراتيون سابقون أن السبب الرئيسي وراء تفوق جهاز إم آي6 لا يرتبط فقط بالتطور التقني، وإنما بقدرته على بناء شبكات واسعة من العملاء والمصادر البشرية التي يتم إعدادها لفترات زمنية طويلة.

ويعتمد الجهاز البريطاني على استراتيجية تقوم على الصبر والتخطيط بعيد المدى، حيث قد تستغرق عمليات تجنيد المصادر سنوات طويلة قبل الوصول إلى معلومات حساسة، وهو الأسلوب الذي يمنحه قدرة كبيرة على اختراق المؤسسات السياسية والعسكرية في الدول المستهدفة.

وأشار عدد من المسؤولين السابقين إلى أن بريطانيا تمتلك خبرة تاريخية طويلة في مجال العمل الاستخباراتي، مستفيدة من إرثها الجيوسياسي وشبكاتها الدولية التي تطورت عبر عقود، إضافة إلى استقطاب عناصر ذات تأهيل أكاديمي مرتفع للعمل داخل الجهاز.

دور إم آي6 في الحرب الأوكرانية عزز مكانته

ساهمت التطورات الأخيرة، خاصة الحرب الروسية الأوكرانية، في تعزيز صورة جهاز إم آي6 عالميًا، بعدما قدم معلومات استخباراتية مبكرة حول احتمالات اندلاع العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا عام 2022.

واعتبر مراقبون أن قدرة الجهاز البريطاني على الوصول إلى معلومات من داخل دوائر القرار الروسية شكلت مؤشرًا على قوة شبكاته الاستخباراتية، كما عززت التعاون بين لندن وواشنطن في الملفات الأمنية المرتبطة بالصراع.

ويقود الجهاز حاليًا بليز مترويلي، التي أصبحت أول امرأة تتولى رئاسته، وتمتلك خبرة واسعة في ملفات الشرق الأوسط وأفغانستان والأمن السيبراني، ما يعكس توجه الجهاز نحو الجمع بين الخبرة التقليدية والأدوات الحديثة.

فرنسا تحافظ على قوتها رغم المركز الثاني

رغم خسارتها صدارة التصنيف، فإن المديرية العامة للأمن الخارجي الفرنسية لا تزال واحدة من أقوى الأجهزة الاستخباراتية في أوروبا، بفضل قدراتها الكبيرة في تنفيذ العمليات السرية ومكافحة الإرهاب والانتشار الدولي.

ويتميز الجهاز الفرنسي بامتلاكه مزيجًا من القدرات التقنية والبشرية والعسكرية، خاصة في مناطق أفريقيا والشرق الأوسط، حيث لعب أدوارًا بارزة خلال السنوات الماضية في مواجهة الجماعات المسلحة وحماية المصالح الفرنسية.

لكن بعض الخبراء أشاروا إلى أن فرنسا واجهت تحديات بسبب تقديرات استخباراتية غير دقيقة قبل اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، رغم نجاحها لاحقًا في تقديم معلومات مهمة بشأن ملفات دولية معقدة.

صعود أوكرانيا وهولندا في سباق المعلومات

شهد التصنيف بروز جهاز الاستخبارات الأوكراني الذي احتل المركز الرابع، بعدما أظهر قدرة لافتة على تنفيذ عمليات معقدة داخل الأراضي الروسية منذ بداية الحرب.

وأشاد الخبراء بقدرة الجهاز الأوكراني على الابتكار واستخدام أساليب هجومية في جمع المعلومات وتنفيذ العمليات، معتبرين أن الحرب دفعت كييف إلى تطوير قدراتها الاستخباراتية بشكل سريع.

أما هولندا، التي جاءت في المركز الثالث، فقد حصلت على إشادة واسعة بسبب قدرتها على تحقيق نتائج كبيرة مقارنة بحجم مواردها، بينما جاء جهاز الاستخبارات الألماني في المركز الخامس مع تقدير قوي لقدراته التحليلية، مقابل انتقادات تتعلق بمحدودية نشاطه العملياتي.

مستقبل سباق الجواسيس في أوروبا

ويؤكد التصنيف أن قوة أجهزة الاستخبارات لم تعد تعتمد فقط على حجم الميزانيات أو عدد العاملين، بل أصبحت مرتبطة بقدرة الجهاز على بناء شبكات مستدامة وتحويل المعلومات إلى تأثير سياسي وعسكري مباشر.

ورغم استمرار تقدم بريطانيا في هذا المجال، فإن المنافسة الأوروبية تتجه نحو مزيد من التعقيد مع دخول التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي والحرب السيبرانية كعناصر أساسية في الصراع الاستخباراتي العالمي.

وتشير المؤشرات إلى أن إم آي6 سيواصل الحفاظ على موقعه المتقدم خلال السنوات المقبلة، بينما ستسعى فرنسا وأوكرانيا وبقية الأجهزة الأوروبية إلى تطوير أدواتها لمواجهة عالم تتزايد فيه أهمية المعلومات باعتبارها أحد أهم أسلحة النفوذ والقوة.