< الذهب يترقب قرار الفيدرالي الأمريكي.. هل تقترب موجة صعود جديدة؟
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

الذهب يترقب قرار الفيدرالي الأمريكي.. هل تقترب موجة صعود جديدة؟

الذهب
الذهب

افتتح الذهب تعاملاته، الثلاثاء، على ارتفاع طفيف ليستقر قرب 4070 دولارًا للأوقية، مواصلا تحركاته داخل نطاق ضيق يعكس حالة ترقب شديدة في الأسواق العالمية. ورغم صعود المعدن الأصفر بنحو 0.36% خلال الجلسة، فإنه لا يزال منخفضًا بحوالي 1.3% خلال شهر، وأكثر من 5.9% منذ بداية العام، بعد موجة جني أرباح قوية أعقبت المستويات القياسية التي سجلها في وقت سابق. ومع ذلك، لا يزال الذهب يحتفظ بمكاسب تقارب 21% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وهو ما يؤكد أن المستثمرين لم يتخلوا عن المعدن النفيس، بل ينتظرون محفزًا جديدًا يحدد اتجاهه المقبل.

المفارقة أن الذهب يرتفع هذه المرة وسط تراجع نسبي في المخاطر الجيوسياسية، وهي معادلة تعكس أن السوق لم يعد يتحرك بدافع الأزمات وحدها، بل أصبح أسيرًا لمعادلة أكثر تعقيدًا تجمع بين توقعات أسعار الفائدة الأمريكية، وتحركات الدولار، وعوائد السندات، إضافة إلى تقييم المستثمرين لاحتمالات تباطؤ الاقتصاد العالمي.

انحسار المخاوف... لكن الحذر لا يزال سيد الموقف

ووفقا لصحيفة وول ستريت جورنال، شهدت الأسواق في الأيام الأخيرة تراجعًا نسبيًا في المخاوف المرتبطة بتطورات الشرق الأوسط، وهو ما خفف الطلب التقليدي على أصول الملاذ الآمن. وعادة ما يؤدي انخفاض التوترات السياسية إلى تراجع جاذبية الذهب، إلا أن الأسعار حافظت على تماسكها، في إشارة إلى أن المستثمرين لا يزالون يفضلون الاحتفاظ بجزء من محافظهم الاستثمارية في المعدن النفيس تحسبًا لأي مفاجآت.

ويرى محللو جولدمان ساكس أن الأسواق لم تصل بعد إلى مرحلة الاطمئنان الكامل، فالتوترات الجيوسياسية قد تتراجع مؤقتًا، لكنها لم تختفِ، كما أن البيئة الاقتصادية العالمية لا تزال مليئة بعوامل عدم اليقين، وهو ما يفسر استمرار الطلب الاستثماري على الذهب رغم انحسار بعض المخاطر.

الاحتياطي الفيدرالي... اللاعب الأكثر تأثيرًا

لم يعد العامل الجيوسياسي وحده هو المحرك الرئيسي للذهب، إذ أصبحت قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي صاحبة التأثير الأكبر على اتجاه الأسعار. فالذهب أصل لا يدر عائدًا، لذلك ترتفع جاذبيته عندما تتراجع أسعار الفائدة أو تتزايد التوقعات بخفضها، بينما يتعرض لضغوط عندما ترتفع العوائد على أدوات الدين الأمريكية.

وبحسب تقديرات مؤسسات مالية دولية، فإن المستثمرين يراقبون عن كثب بيانات التضخم وسوق العمل الأمريكية لتحديد توقيت أي خفض محتمل للفائدة خلال الأشهر المقبلة. وكلما زادت قناعة الأسواق بأن دورة التشديد النقدي شارفت على نهايتها، ازدادت فرص الذهب في استعادة زخمه الصعودي.

الدولار وعوائد السندات... معركة خفية

لا يتحرك الذهب بمعزل عن الدولار الأمريكي. فعندما يقوى الدولار تصبح الأوقية أعلى تكلفة بالنسبة للمشترين الذين يستخدمون عملات أخرى، ما يقلص الطلب العالمي. وفي المقابل، يؤدي انخفاض الدولار عادة إلى دعم أسعار الذهب.

كما أن عوائد سندات الخزانة الأمريكية تمثل منافسًا مباشرًا للمعدن الأصفر، إذ يفضل كثير من المستثمرين تحويل أموالهم إلى السندات عندما ترتفع عوائدها، بينما يعودون إلى الذهب عندما تنخفض تلك العوائد أو تتزايد المخاوف الاقتصادية.

مشتريات البنوك المركزية لم تغادر السوق

أحد أهم العوامل التي حافظت على متانة سوق الذهب خلال السنوات الأخيرة هو استمرار البنوك المركزية في زيادة احتياطياتها من المعدن النفيس.

فقد واصلت العديد من الاقتصادات الناشئة تنويع احتياطياتها بعيدًا عن الدولار، معتمدة بصورة أكبر على الذهب باعتباره أصلًا استراتيجيًا طويل الأجل لا يرتبط بالتزامات أي دولة أو حكومة.

ويرى الخبراء أن هذا الطلب الرسمي يمنح السوق قاعدة دعم قوية حتى في الفترات التي يتراجع فيها الطلب الاستثماري أو طلب المشغولات الذهبية.

هل يستعد الذهب لحركة أكبر؟

يشير عدد من بيوت الأبحاث العالمية، وعلى رأسها سيتي جروب، إلى أن الذهب يعيش حاليًا مرحلة تجميع أكثر منها مرحلة اتجاه واضح. فالمستثمرون ينتظرون بيانات اقتصادية أمريكية أكثر حسمًا قبل اتخاذ رهانات كبيرة، بينما يظل أي تغير مفاجئ في المشهد السياسي العالمي قادرًا على إعادة الطلب على الملاذات الآمنة بسرعة.

ويرى محللون في مؤسسات مالية غربية أن استمرار تباطؤ الاقتصاد العالمي، أو تراجع التضخم بوتيرة تسمح بخفض الفائدة، قد يمنح الذهب دفعة جديدة نحو مستويات أعلى، في حين أن قوة الدولار وارتفاع العوائد قد يبقيان الأسعار تحت الضغط خلال المدى القصير.

بين السياسة والاقتصاد

يعكس الأداء الحالي للذهب تغيرًا واضحًا في طبيعة الأسواق العالمية. فالمعدن الذي كان يتحرك سابقًا استجابة للحروب والأزمات فقط، أصبح اليوم أكثر ارتباطًا بقرارات البنوك المركزية والبيانات الاقتصادية.

ولهذا فإن المستثمرين لا يراقبون تطورات الشرق الأوسط فحسب، بل يتابعون أيضًا كل تصريح يصدر عن مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي، وكل قراءة للتضخم أو الوظائف الأمريكية، لأنها أصبحت قادرة على تحريك الذهب بقدر لا يقل عن تأثير الأحداث الجيوسياسية.

وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، يبدو أن المعدن الأصفر دخل مرحلة انتظار حاسمة؛ فإما أن يحصل على دفعة جديدة من تراجع الفائدة وضعف الدولار، أو يظل يتحرك في نطاقات ضيقة إلى أن تتضح الصورة الاقتصادية العالمية بصورة أكبر.