< اعترافات تفصيلية.. كيف سقط «القاضي المزيف» داخل محكمة شمال القاهرة؟ | عاجل
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

اعترافات تفصيلية.. كيف سقط «القاضي المزيف» داخل محكمة شمال القاهرة؟ | عاجل

الرئيس نيوز

لم يكن المشهد الذي ظهر في مقطع فيديو متداول عبر مواقع التواصل الاجتماعي مجرد استعراض داخل إحدى قاعات المحاكم، بل تحول إلى قضية جنائية انتهت بإحالة متهمين إلى المحاكمة بعدما كشفت تحقيقات النيابة العامة عن وقائع انتحال صفة قاضٍ واستغلال مبنى محكمة شمال القاهرة بالعباسية في تنفيذ مخطط للنصب على المواطنين، بمساعدة عدد من العاملين بالمحكمة، وفقًا لما انتهت إليه التحقيقات الرسمية.

وتصدر القضية، التي باتت تُعرف إعلاميًا بقضية «القاضي المزيف»، اهتمام الرأي العام بعد أن أظهرت التحقيقات كيف تمكن شخص لا ينتمي إلى السلطة القضائية من ارتداء زي يحاكي الزي القضائي، والوقوف على منصة العدالة داخل إحدى قاعات المحكمة، وتصوير مقاطع فيديو وصور استخدمها لاحقًا لإقناع ضحاياه بأنه قاضٍ يمتلك نفوذًا داخل المحاكم، مقابل الحصول على مبالغ مالية بزعم إنهاء إجراءات قضائية أو التدخل في الأحكام.

وتستعرض «الرئيس نيوز» تفاصيل القضية الكاملة، منذ بداية كشف الواقعة، مرورًا بتحقيقات النيابة العامة واعترافات المتهمين، وصولًا إلى قرار الإحالة للمحاكمة وتحديد أولى جلسات نظر الدعوى.

بداية الخيط.. فيديو متداول يكشف الواقعة

بدأت القضية بعدما رصد المركز الإعلامي للنيابة العامة تداول مقطع فيديو عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ظهر خلاله أحد الأشخاص وهو يتهم آخر بالاستيلاء على أموال منه عقب إيهامه بأنه يعمل قاضيًا بوزارة العدل، وأن بإمكانه إنهاء إجراءات القضايا والتدخل لدى جهات القضاء.

وأثار مضمون الفيديو اهتمام جهات التحقيق، التي بادرت بفحص ما ورد به، فيما باشرت الأجهزة الأمنية تحرياتها لكشف حقيقة الادعاءات وهوية الشخص المشار إليه، وما إذا كان بالفعل ينتحل صفة قضائية لاستغلال المواطنين.

تحريات الأمن تكشف شبكة كاملة

وكشفت تحريات قطاع الأمن الوطني والإدارة العامة للمباحث الجنائية أن المتهم الرئيسي، وهو عاطل عن العمل، لم يكن يعمل بأي جهة قضائية أو حكومية، وإنما استعان بثلاثة من العاملين داخل مبنى محكمة شمال القاهرة بالعباسية لتسهيل دخوله إلى المحكمة عقب انتهاء مواعيد العمل الرسمية.

وبحسب ما انتهت إليه التحريات، فإن الموظفين المتهمين كانوا يسمحون له بالدخول إلى قاعات الجلسات والمداولات بعد إغلاق المحكمة وخلوها من القضاة والعاملين، بما مكنه من تنفيذ مخططه بعيدًا عن أعين المترددين على المحكمة.

وأضافت التحقيقات أن المتهم أعد وشاحًا قضائيًا يحاكي الوشاح الرسمي الذي يرتديه القضاة، كما ارتدى كسوة تشبه الزي القضائي، ثم اعتلى منصة المحكمة داخل عدد من القاعات، والتقط صورًا فوتوغرافية وصور مقاطع فيديو ظهر خلالها في هيئة قاضٍ يباشر عمله داخل المحكمة.

صناعة صورة وهمية لاستدراج الضحايا

ولم تتوقف الواقعة عند حدود التقاط الصور، إذ أوضحت التحقيقات أن المتهم استخدم تلك المقاطع المصورة كوسيلة لإقناع ضحاياه بأنه يشغل منصبًا قضائيًا، وأن لديه القدرة على إنهاء القضايا أو التأثير في مسارها، وهو ما مكّنه من الحصول على مبالغ مالية من بعض المواطنين بزعم استخدام نفوذه القضائي.

ورأت النيابة العامة أن هذه المواد المصورة كانت تمثل الأداة الرئيسية في عملية الاحتيال، إذ اعتمد عليها المتهم لإضفاء المصداقية على ادعاءاته، مستغلًا هيبة القضاء وثقة المواطنين في المؤسسات القضائية.

اعترافات المتهم الرئيسي

وخلال استجوابه أمام النيابة العامة، أدلى المتهم الرئيسي باعترافات تفصيلية تناولت كيفية تنفيذ الواقعة.

وأقر بأنه لا تربطه أي صلة بالسلطة القضائية أو وزارة العدل، كما اعترف بقيامه بتصنيع الوشاح القضائي بنفسه حتى يبدو مطابقًا للوشاح الرسمي المستخدم داخل المحاكم.

كما اعترف بأنه قدم مبالغ مالية وعطايا لعدد من العاملين بالمحكمة مقابل السماح له بالدخول إلى القاعات بعد انتهاء العمل الرسمي، وتمكينه من ارتداء الكسوة القضائية والتصوير فوق منصة المحكمة.

وأضاف في أقواله إنه كان يعتمد على تلك الصور والفيديوهات لإقناع المواطنين بأنه قاضٍ، تمهيدًا للحصول على أموال منهم بزعم إنهاء مصالحهم القضائية أو التدخل في القضايا المنظورة أمام المحاكم.

الموظفون يعترفون بدورهم

ولم تتوقف الاعترافات عند المتهم الرئيسي، إذ تضمنت التحقيقات إقرارات من الموظفين المتهمين، الذين اعترفوا بتسهيل دخول المتهم إلى المحكمة خارج المواعيد الرسمية، وتمكينه من استخدام قاعات الجلسات والمداولات، رغم علمهم بأنه لا يحمل أي صفة قضائية.

كما كشفت التحقيقات عن حصول بعض المتهمين على مبالغ مالية ومنافع مقابل هذا التسهيل، وهو ما اعتبرته النيابة العامة أحد أركان جرائم الرشوة والاشتراك في ارتكاب الجرائم المنسوبة للمتهم الرئيسي.

قرار الإحالة

وعقب انتهاء التحقيقات، أصدر المستشار أحمد صبيح، المحامي العام الأول لنيابات شرق القاهرة الكلية، قرارًا بإحالة المتهمين إلى محكمة الجنايات وهم محبوسون احتياطيًا، بعد ثبوت كفاية الأدلة لإقامة الدعوى الجنائية، وفقًا لما انتهت إليه النيابة العامة.

وأسندت النيابة إلى المتهم الرئيسي ارتكاب جرائم التداخل في وظيفة عمومية دون أن تكون له صفة رسمية، وارتداء زي وشارات خاصة بالسلطة القضائية بغير حق، والنصب والاحتيال على المواطنين، فضلًا عن تقديم رشوة لموظفين عموميين.

كما وجهت إلى الموظفين المتهمين اتهامات الاشتراك بطريق المساعدة والتسهيل في جرائم انتحال الصفة والنصب، وطلب وتلقي الرشوة، والإخلال بواجبات الوظيفة العامة والإضرار بجهة عملهم.

واستندت النيابة في بعض الاتهامات إلى المواد 155 و156 و336 من قانون العقوبات، إلى جانب المواد المنظمة للاشتراك الجنائي وجرائم الرشوة والوظيفة العامة.

وزارة العدل: إجراءات حاسمة

وعقب كشف الواقعة، أصدرت وزارة العدل بيانًا رسميًا أكدت خلاله أنها اتخذت الإجراءات القانونية اللازمة فور رصد الواقعة، بالتنسيق مع الجهات المختصة، مشددة على عدم التهاون مع أي محاولة للمساس بهيبة القضاء أو استغلال اسم السلطة القضائية في أعمال غير مشروعة.

وأكدت الوزارة أن التحقيقات انتهت إلى ضبط المتهمين المتورطين وإحالتهم إلى المحاكمة الجنائية، مع اتخاذ الإجراءات الإدارية والقانونية اللازمة بحق العاملين الذين ثبت تورطهم في الواقعة.

أولى جلسات المحاكمة

ومع إحالة القضية إلى محكمة الجنايات المختصة، نظرت المحكمة أولى جلسات الدعوى، حيث طلب دفاع المتهمين أجلًا للاطلاع على أوراق القضية وتحقيقات النيابة العامة وإعداد الدفاع.

واستجابت المحكمة لطلب الدفاع، وقررت تأجيل نظر القضية إلى جلسة 1 سبتمبر 2026 لاستكمال إجراءات المحاكمة وتمكين هيئة الدفاع من الاطلاع على ملف الدعوى.