بين مطرقة الحرب وسندان الأوبئة.. السل والجدري المائي يهددان آلاف المدنيين في غزة
بعد احتواء خطر شلل الأطفال بحملات التطعيم والاستجابة العاجلة، يواجه قطاع غزة أزمة صحية جديدة تتسع بوتيرة مقلقة، مع انتشار واسع لجدري الماء وعودة مرض السل الرئوي إلى الظهور داخل مخيمات النزوح، في ظل انهيار شبه كامل للمنظومة الصحية واستمرار تدهور الظروف المعيشية، وفقا لصحيفة الإندبندنت البريطانية.
وداخل خيمة صغيرة في خان يونس، تحاول جدة تهدئة حفيدتيها اللتين أصابهما جدري الماء، بينما تعاني هي نفسها من نوبات سعال متواصلة بعد إصابتها بالسل الرئوي، وفي مساحة ضيقة تجمع أفراد الأسرة، تتحول الخيمة من ملاذ مؤقت إلى بيئة مثالية لانتقال العدوى، حيث تنتشر الأمراض بسرعة في ظل الاكتظاظ وانعدام التهوية.
هذه الصورة لم تعد حالة فردية، بل أصبحت تعكس واقعًا يتكرر في عشرات مخيمات النزوح، مع تسجيل آلاف الإصابات بجدري الماء، وظهور حالات مؤكدة من السل الرئوي، وهو مرض كانت السلطات الصحية قد نجحت في الحد من انتشاره خلال العقود الماضية.
الأرقام تعكس اتساع الأزمة
تشير بيانات وزارة الصحة في غزة إلى تسجيل أكثر من 53 ألف إصابة بجدري الماء، مع معدل يقارب خمسة آلاف إصابة جديدة أسبوعيًا، فيما رصدت الفرق الطبية آلاف الحالات خلال فترة قصيرة، بما يعكس استمرار انتقال العدوى داخل مراكز الإيواء.
وفي الوقت نفسه، أثار تسجيل حالات إصابة بالسل الرئوي قلقًا واسعًا لدى المنظمات الصحية، نظرًا إلى أن المرض يحتاج إلى عزل طبي وعلاج منتظم يمتد عدة أشهر، وهي شروط يصعب توفيرها في بيئة النزوح الحالية.
لماذا تنتشر الأمراض بهذه السرعة؟
يرى المختصون أن ثلاثة عوامل رئيسية تقف وراء هذا التصاعد. العامل الأول هو الاكتظاظ الشديد داخل المخيمات، حيث يعيش أعداد كبيرة من النازحين في مساحات محدودة، ما يجعل انتقال الأمراض التنفسية والفيروسية أكثر سهولة.
أما العامل الثاني فيتمثل في تدهور خدمات المياه والصرف الصحي، ونقص المياه النظيفة ومواد النظافة الشخصية، وهو ما يزيد فرص انتقال العدوى ويضاعف مخاطر الالتهابات، خصوصًا بين الأطفال.
ويأتي سوء التغذية كعامل ثالث، إذ يؤدي ضعف المناعة الناتج عن نقص الغذاء إلى زيادة قابلية الإصابة بالأمراض، كما يسهم في تنشيط بكتيريا السل الكامنة لدى بعض الأشخاص.
تحذيرات من مخاطر أكبر
حذرت منظمة الصحة العالمية من أن ظهور حالات السل في هذه الظروف قد يكون مؤشرًا إلى أزمة صحية أوسع، لأن عدم استكمال العلاج قد يؤدي إلى ظهور سلالات مقاومة للمضادات الحيوية، وهو ما يمثل تحديًا صحيًا يتجاوز حدود قطاع غزة.
كما أكدت المنظمة أن استمرار انتشار الأمراض بالتوازي مع سوء التغذية ونقص الخدمات الطبية يهدد بزيادة معدلات الإصابة والوفيات، خصوصًا بين الأطفال وكبار السن.
منظومة صحية عاجزة
يواجه القطاع الصحي صعوبات كبيرة في التعامل مع الأزمة، بسبب نقص الأدوية والمستلزمات الطبية، وخروج عدد كبير من المستشفيات عن الخدمة، إضافة إلى غياب أماكن مناسبة لعزل المصابين.
ويؤكد العاملون في المجال الصحي أن تطبيق البروتوكولات العلاجية الخاصة بالأمراض المعدية أصبح شبه مستحيل داخل المخيمات، حيث يضطر المرضى للعودة إلى خيام مكتظة فور انتهاء الفحص الطبي، ما يساهم في استمرار انتقال العدوى.
كما يمثل نقص أدوية السل تحديًا إضافيًا، إذ يتطلب المرض علاجًا منتظمًا لعدة أشهر، وأي انقطاع في الجرعات قد يزيد احتمالات ظهور سلالات أكثر مقاومة للعلاج.
تبادل الاتهامات
تحمل الجهات الصحية الفلسطينية الحصار والقيود المفروضة على دخول الإمدادات الطبية جانبًا كبيرًا من مسؤولية تدهور الوضع الصحي، معتبرة أن نقص الأدوية ومواد التعقيم ومستلزمات الإصحاح البيئي ساهم في تفاقم الأزمة.
في المقابل، تنفي إسرائيل عرقلة دخول المساعدات الطبية، وتقول إن المشكلة ترتبط بآليات استلام وتوزيع المساعدات داخل القطاع، إضافة إلى الظروف الأمنية.
أزمة تتجاوز حدود المرض
لا تقتصر خطورة المشهد الحالي على ارتفاع أعداد الإصابات، بل تمتد إلى احتمال عودة أمراض كان يعتقد أنها أصبحت تحت السيطرة، في وقت تعاني فيه المنظومة الصحية من نقص الإمكانات، ويعيش مئات الآلاف في ظروف لا تسمح بالوقاية أو العلاج.
وبينما تستمر التحذيرات الدولية، يبقى الخوف الأكبر من أن تتحول مخيمات النزوح إلى بؤر مستدامة لانتشار الأمراض المعدية، بما يضاعف من الكلفة الإنسانية للأزمة ويضيف عبئًا صحيًا جديدًا إلى واقع يزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم.