هل يصل النفط إلى 100 دولار؟.. تصاعد التوترات في الشرق الأوسط يرفع المخاوف ويغير توقعات الأسواق
عادت أسعار النفط العالمية إلى واجهة الاهتمام الدولي مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، وسط مخاوف متزايدة من تعرض إمدادات الطاقة العالمية للاضطراب، الأمر الذي دفع المؤسسات المالية والخبراء إلى إعادة تقييم توقعاتهم لمسار أسعار الخام خلال الأشهر المقبلة، في ظل استمرار المخاطر المرتبطة بالممرات البحرية الحيوية.
وتزايدت التساؤلات خلال الأيام الأخيرة حول إمكانية عودة النفط إلى مستوى 100 دولار للبرميل، خاصة مع استمرار حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية، وارتفاع علاوة المخاطر المرتبطة بعمليات النقل والشحن، وهو ما انعكس سريعًا على تعاملات خام برنت وخام غرب تكساس الوسيط.

هل يصل النفط إلى 100 دولار للبرميل؟
يرى محللون وخبراء اقتصاد أن احتمال وصول أسعار النفط إلى 100 دولار للبرميل أصبح قائمًا إذا استمرت التوترات الحالية أو شهدت المنطقة تصعيدًا جديدًا يؤثر على حركة الملاحة أو إنتاج النفط في الدول الرئيسية المنتجة.
ورغم هذه التوقعات، يؤكد معظم الخبراء أن تجاوز حاجز 100 دولار سيكون مرتبطًا بمدى استمرار الأزمة، بينما تبقى فرص وصول الأسعار إلى مستويات قياسية مثل 150 أو 200 دولار للبرميل محدودة في ظل قدرة الأسواق العالمية على التكيف مقارنة بالسنوات الماضية.
حيث يمثل مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في العالم لنقل النفط والغاز، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات الطاقة العالمية، ولذلك فإن أي تهديد لحركة الملاحة داخله ينعكس مباشرة على أسعار الخام.
كما يساهم أي تصعيد في مضيق هرمز أو باب المندب في رفع تكاليف التأمين والشحن البحري، وهو ما يزيد من تكلفة نقل النفط عالميًا ويؤدي إلى ارتفاع الأسعار نتيجة زيادة علاوة المخاطر.
خام برنت يواصل الصعود
أنهى خام برنت تعاملات الأسبوع الماضي على ارتفاع بنسبة 1.21% ليسجل 87.93 دولارًا للبرميل، محققًا مكاسب قوية خلال يوليو، في ظل استمرار المخاوف المتعلقة بالإمدادات العالمية.
ويعد هذا الارتفاع من أقوى المكاسب الشهرية التي يسجلها الخام منذ عدة أشهر، مدعومًا بتصاعد التوترات الجيوسياسية وعودة المخاوف بشأن استقرار تدفقات النفط من المناطق الرئيسية المنتجة.
وتبقى قرارات وتحركات تحالف أوبك+ من أبرز العوامل المؤثرة في اتجاهات سوق النفط العالمية، حيث تلعب مستويات الإنتاج دورًا رئيسيًا في تحديد حجم المعروض العالمي.
ويرى خبراء الطاقة أن أي تعديلات جديدة في سياسة الإنتاج، سواء بالزيادة أو الخفض، ستنعكس بصورة مباشرة على حركة الأسعار خلال الفترة المقبلة، خاصة في ظل استمرار حالة الترقب داخل الأسواق.
توقعات وكالة الطاقة الدولية
وتوقعت وكالة الطاقة الدولية أن يظل نمو الطلب العالمي على النفط محدودًا خلال عام 2026، رغم بدء التعافي التدريجي مع تحسن حركة التجارة العالمية وعودة جزء من النشاط عبر مضيق هرمز.
كما خفضت الوكالة تقديراتها لنمو الطلب العالمي إلى نحو مليون برميل يوميًا خلال 2026، مقارنة بتوقعات سابقة بلغت 1.1 مليون برميل يوميًا، مع وصول متوسط الاستهلاك العالمي إلى 103.5 مليون برميل يوميًا.
ترى الوكالة أن الطلب العالمي قد يبدأ في تسجيل نمو أكبر خلال الربع الرابع من العام، مدفوعًا بزيادة استهلاك الوقود خلال موسم السفر وتعافي الطلب المؤجل.
وتشير التقديرات إلى إمكانية ارتفاع النمو إلى نحو 1.2 مليون برميل يوميًا بنهاية العام، مع توقعات بتسارع وتيرة الطلب خلال عام 2027 إذا استمرت الأوضاع في التحسن.
على جانب الإمدادات، تتوقع وكالة الطاقة الدولية انخفاض المعروض العالمي خلال عام 2026، قبل أن يعود للارتفاع في 2027 إذا تحسنت الملاحة البحرية واستعادت الدول المنتجة كامل قدراتها التصديرية.
وأكدت الوكالة أن استقرار سوق النفط سيظل مرهونًا باستمرار انسياب حركة الناقلات النفطية، ونجاح الجهود الدولية في خفض التوترات داخل منطقة الخليج.
رفع بنك ستاندرد تشارترد توقعاته لسعر خام غرب تكساس الوسيط خلال الأشهر الثلاثة المقبلة إلى 90 دولارًا للبرميل، مستندًا إلى تصاعد المخاطر الجيوسياسية والتحديات التي تواجه طرق نقل النفط.
وأوضح البنك أن عودة علاوة المخاطر إلى السوق أصبحت العامل الأكثر تأثيرًا في حركة الأسعار خلال الفترة الحالية، متوقعًا استمرار الضغوط الصعودية طالما استمرت التوترات.
لم تقتصر المخاطر على منطقة الخليج فقط، إذ أثارت الهجمات التي استهدفت البنية التحتية الخاصة بتصدير النفط في البحر الأسود مخاوف إضافية بشأن استقرار الإمدادات القادمة من كازاخستان إلى الأسواق الأوروبية.
ورغم استمرار تشغيل محطة خط أنابيب بحر قزوين، فإن حالة عدم اليقين المرتبطة بأمن الإمدادات ساهمت في دعم الأسعار العالمية وزيادة قلق المستثمرين.
يرى خبراء الطاقة أن الأسواق العالمية أصبحت أكثر استعدادًا للتعامل مع الأزمات مقارنة ببداية الصراعات الجيوسياسية، بعدما عملت العديد من الدول على تنويع مصادر الطاقة وزيادة احتياطياتها الاستراتيجية.
كما ساهم البحث عن مسارات بديلة لنقل النفط بعيدًا عن الممرات البحرية المهددة في الحد من احتمالات حدوث قفزات حادة، رغم استمرار التأثير المباشر لأي اضطراب جديد.
تشير أغلب التقديرات إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في بقاء أسعار النفط بالقرب من مستوى 100 دولار للبرميل أو تجاوزه بشكل محدود إذا استمرت التوترات الحالية، بينما يتطلب الوصول إلى مستويات قياسية أعلى حدوث تعطلات واسعة وممتدة في الإمدادات العالمية.
ويبقى مستقبل سوق النفط خلال الأشهر المقبلة مرتبطًا بدرجة كبيرة بالتطورات الجيوسياسية، وقرارات الدول المنتجة، ومستويات الطلب العالمي، وهو ما يجعل الأسواق في حالة ترقب مستمرة لأي مستجدات قد تؤثر على توازن العرض والطلب، وبالتالي على اتجاهات أسعار الخام عالميًا.