< هل ينهار الذكاء الاصطناعي قبل أن يتفوق على البشر؟.. دراسة تقلب التوقعات
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

هل ينهار الذكاء الاصطناعي قبل أن يتفوق على البشر؟.. دراسة تقلب التوقعات

تعبيرية
تعبيرية

يعمل الباحثون على تطوير ذكاء اصطناعي يحسن نفسه ذاتيًا، وفي غضون فترة وجيزة قد يتفوق على البشر فكريًا، وتتوقع بعض الشركات اقتراب هذا الإنجاز وتسعى لجمع مئات الملايين من الدولارات كتمويل، هكذا يلخص الكاتب مارتن شلاك في مجلة دير شبيجل الألمانية مشهدًا يبدو وكأنه قادم من خيال علمي، غير أن المعطيات الراهنة تشي بشيء مغاير تمامًا: أن الآلة التي تعلم نفسها بنفسها قد تنتهي إلى الانهيار لا إلى التفوق. 

حلم الستينيات يعود من جديد

يعود مفهوم "التحسين الذاتي التكراري" إلى عام 1966، حين كتب عالم الرياضيات البريطاني إيرفينج جون جود — أحد رفاق آلان تورينج في مركز بليتشلي بارك لفك الشفرات  عن ما أسماه "الانفجار الذكائي": فكرة أن آلة فائقة الذكاء ستصمم آلات أكثر ذكاء، وتتوالى الأجيال دون توقف حتى تتخطى القدرات البشرية بما لا يُقاس. ظل هذا الحلم لعقود حبيس الخيال العلمي  ثم اقتربت المختبرات منه فجأة في عام 2026. 

80 % من الكود كتبته الآلة

أعلنت شركة أنثروبيك في مدونتها الرسمية أن 80% من جميع الأكواد البرمجية المضافة إلى قاعدة بياناتها الإنتاجية في مايو 2026 كتبها نظام كلود كود بإشراف بشري مباشر — وهي نسبة كانت أقل من 5% حين أُطلق النظام في فبراير 2025. وفي الوقت ذاته، أطلق الباحث أندريه كارباثي نظام البحث الذاتي الذي نفذ وحده 700 تجربة في التعلم الآلي واكتشف 20 تحسينًا في التدريب دون تدخل بشري. 

وأعلنت شركة DeepMind أن نظامها AlphaEvolve اكتشف خوارزمية لضرب المصفوفات تتفوق على كل ما توصل إليه البشر منذ عام 1969، أي أن 56 عامًا من الجمود الرياضي كسرت لأن المحكم كان مجرد ساعة توقيت. 

وأعلنت شركة أوبن إيه آي أن نموذجها GPT-5.3-Codex كان "فاعلًا في إيجاد نفسه"، غير أن وثيقة الأمان الخاصة بالنموذج صنّفته دون مستوى "القدرة العالية" في التحسين الذاتي — وهو تناقض لافت بين البيان الصحفي ووثيقة السلامة. 

انطلاقة أو انهيار؟

لكن أبحاث حديثة نشرها الباحث هيكتور زينيل وزملاؤه جاءت لتقلب المعادلة رأسًا على عقب؛ فقد أثبتت الورقة البحثية رياضيًا أن التحسين الذاتي التكراري في النماذج اللغوية الكبيرة مستحيل، المسار الذي كان يعتقد أنه سيقود إلى الذكاء الخارق هو في الواقع طريق باتجاه واحد نحو الانهيار. واستند المنطق الرياضي إلى نظرية الأنظمة الديناميكية: دون "دالة قسرية" خارجية، أي بيانات حقيقية ومتنوعة يُنتجها البشر، يفقد النظام الطاقة اللازمة للحفاظ على تعقيد توزيعه الأصلي ويتدهور حتمًا. 

ويخلص التقرير إلى أن النموذج لا يتسلق نحو الذكاء الخارق، بل ينسى ببطء ما يبدو عليه العالم الحقيقي. وقد رصد باحثو Hackaday هذا الانهيار تجريبيًا بملاحظة بسيطة: "اطرح على نموذج خضع للضبط الدقيق المفرط سؤالًا غير مألوف، وستحصل بثقة على إجابة سلسة ومعقولة الصياغة، لكنها خاطئة تمامًا. هذا هو الانهيار في حالته البطيئة." 

حلقة مفرغة وتقنيات تلتهم نفسها

تكمن المشكلة الجوهرية في ما يشبه الأوروبورس؛ ذلك الثعبان الذي يلتهم نفسه من جهة الذيل. حين تستخدم مخرجات الذكاء الاصطناعي لتدريب الجيل التالي منه، تتراكم الأخطاء وتتضخم التحيزات وتتآكل التنوعية بصورة تدريجية لا يمكن وقفها. كما يستحيل الإفلات من هذه الحلقة عبر البيانات الاصطناعية على نطاق واسع  البيانات التي يولدها الذكاء الاصطناعي لا يمكنها أن تُعوّض انعدام التنوع والعشوائية والمفاجأة الذي تتسم به البيانات البشرية الحقيقية. وصف أحد الباحثين هذا بالقول: "إنه مثل محاولة النهوض عن الأرض بسحب رباط حذائك للأعلى، كلما زاد الجهد، زاد التعثر." 

وتعزز هذه الصورة القاتمة بيانات منصة METR المستقلة لتقييم سلامة الذكاء الاصطناعي، التي تقيس المدة التي يستطيع فيها النموذج الحفاظ على أداء مهمة معقدة قبل الإخفاق. وسجّل نموذج GPT-5.1-Codex-Max نحو ساعتين و42 دقيقة في هذا الاختبار — وهو قفز كبير مقارنة بدقائق GPT-4، لكنه لا يزال بعيدًا عن السيناريو الذي وصفه إيرفينج جون جود. 

أنثروبيك تدق ناقوس الخطر

وصف المديرون التنفيذيون في أنثروبيك التحسين الذاتي التكراري بأنه النقطة التي "يمكن عندها للأنظمة أن تحسن نفسها بنفسها، مما قد يؤدي إلى ذكاء خارق يتجاوز السيطرة البشرية"، معترفين بأن ذلك "قد يحدث أسرع مما تستعد له معظم المؤسسات." وطالب قادة الشركة بآلية توقف منسقة عالميًا مع إشراك أطراف خارج شركات الذكاء الاصطناعي في النقاش المفتوح. وانضم البابا ليون الرابع عشر إلى هذه الأصوات بإرشاد رسولي مدروس دعا فيه إلى إبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي. وسبق أن حذّر إيليزر يودكوفسكي من أن من يدركون مخاطر الذكاء الاصطناعي الخارق قد يكونون "مستعدين لتدمير مركز بيانات مارق بضربة جوية إذا لزم الأمر" — وهو تصريح لم يوقف سباق التطوير، بل زادت الاستثمارات في التدريب. 

المشكلة التنسيقية الكبرى

يقر باحثو مجلة ذا كونفرزيشن بأن التوقف لا ينجح إلا إذا توقف الجميع في آنٍ واحد، وهو ما يشكل معضلة تنسيق حقيقية في عالم تتنافس فيه المختبرات والحكومات بشراسة على التفوق في الذكاء الاصطناعي. 

ويرى جاري ماركوس، الباحث المتخصص في نقد الذكاء الاصطناعي من جامعة نيويورك، أن "2025 ستُعرف بوصفها عام ذروة فقاعة الذكاء الاصطناعي"، مؤكدا أن النماذج اللغوية الكبيرة لا تزال "أدوات إحصائية ضيقة النطاق: قوية ومعتمة وغير مثالية، لكنها تفتقر إلى الخصائص التي تجعل السيناريوهات الكارثية معقولة."