< «النقد الدولي» يحسم الجدل بشأن وجود برنامج جديد.. ويؤكد: الإقتصاد المصري أكثر صلابة
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

«النقد الدولي» يحسم الجدل بشأن وجود برنامج جديد.. ويؤكد: الإقتصاد المصري أكثر صلابة

الرئيس نيوز

رغم أن الحرب في الشرق الأوسط فرضت ضغوطًا جديدة على اقتصادات المنطقة، فإن صندوق النقد الدولي يرى أن مصر تمكنت من عبور هذه الموجة من موقع أكثر قوة مقارنة بالسنوات الماضية، مستندة إلى تحسن واضح في مؤشرات الاقتصاد الكلي، ومرونة أكبر في إدارة الصدمات، وإن كان ذلك لا يلغي استمرار التحديات التي تتطلب استكمال مسار الإصلاح الاقتصادي.

الاقتصاد المصري

ووفق تقييم الصندوق عقب المراجعة السابعة لبرنامج الإصلاح، فإن الاقتصاد المصري دخل الأزمة الإقليمية وهو يحقق أعلى معدلات نمو خلال النصف الأول من العام المالي منذ عامي 2021-2022 بالتزامن مع تراجع معدلات التضخم قبل اندلاع الحرب، وارتفاع الاحتياطيات الدولية إلى نحو 69 مليار دولار، وهو ما يعادل 119% من معيار كفاية الاحتياطيات لدى الصندوق، بما وفر مظلة حماية للاقتصاد في مواجهة التقلبات الخارجية.

يرى الصندوق أن مرونة سعر الصرف لعبت الدور الأبرز في امتصاص الصدمة، إذ سمح تحرك الجنيه بانخفاضه مع خروج التدفقات الأجنبية ثم استعادة جزء من قيمته مع عودة تلك التدفقات، وهو ما خفف الضغوط على ميزان المدفوعات دون اللجوء إلى استنزاف الاحتياطيات أو العودة إلى تثبيت سعر الصرف، في رسالة جديدة تؤكد تمسك الصندوق بسياسة سعر الصرف المرن باعتبارها أحد أهم مكتسبات برنامج الإصلاح.

 تعديل أسعار الوقود

أشاد الصندوق بسرعة استجابة الحكومة للتداعيات الإقليمية، سواء من خلال تعديل أسعار الوقود، أو إجراءات ترشيد استهلاك الطاقة، أو احتواء الإنفاق العام، مُعتبرًا أن هذه السياسات ساعدت في الحد من انعكاسات الحرب على الاقتصاد المصري، رغم الارتفاع الكبير في أسعار النفط وتعطل جزء من إمدادات الغاز.

أكد الصندوق أن الاقتصاد المصري أظهر قدرة على الصمود، بعدما سجل نموًا بلغ 5.2% خلال الأرباع الثلاثة الأولى من العام المالي 2025-2026، فيما يتوقع أن يبلغ النمو 4.6% بنهاية العام المالي، وهو خفض محدود للغاية مقارنة بالتوقعات السابقة، بما يعكس أن تأثير الحرب على النشاط الاقتصادي جاء أقل من المخاوف الأولية.

ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، لا يخفي الصندوق استمرار بعض الضغوط، وعلى رأسها التضخم الذي عاد إلى الارتفاع بعد الحرب نتيجة انخفاض سعر الصرف وزيادة أسعار الطاقة، قبل أن يبدأ في التراجع تدريجيًا.

 يرى الصندوق أن هذه الموجة التضخمية كانت في الأساس نتيجة صدمات عرض وارتفاع تكاليف الإنتاج، وليس بسبب زيادة الطلب المحلي، متوقعًا أن يبلغ متوسط التضخم نحو 16.7% خلال العام المالي الحالي قبل أن يتراجع إلى نحو 13%، مع تأجيل تحقيق مستهدف البنك المركزي للتضخم لمدة عام إضافي.

ارتفاع فاتورة الواردات البترولية

كما رفعت الحرب تقديرات الصندوق لعجز الحساب الجاري إلى 4.5% من الناتج المحلي الإجمالي، نتيجة ارتفاع فاتورة الواردات البترولية، إلا أن الأداء القوي لتحويلات المصريين العاملين بالخارج واستمرار قوة قطاع السياحة خففا من حدة الضغوط الخارجية. وسجلت التحويلات مستوى قياسيًا بلغ نحو 4 مليارات دولار خلال شهر أبريل، بينما حافظت السياحة على مستوياتها المرتفعة، في حين واصلت إيرادات قناة السويس التعافي تدريجيًا رغم بقائها أقل كثيرًا من مستوياتها قبل اضطرابات البحر الأحمر.

وعلى صعيد المالية العامة، أكد الصندوق أن الحكومة لم تحقق فقط المستهدفات المتفق عليها، بل تجاوزتها أيضًا، مع ارتفاع الإيرادات الضريبية وتحقيق فائض أولي بلغ نحو 4.8% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما اعتبره الصندوق دليلًا على نجاح جهود الضبط المالي رغم الظروف العالمية الصعبة.

نجاح السياسات الاقتصادية الكلية 

لكن في المقابل، شدد الصندوق على أن نجاح السياسات الاقتصادية الكلية لا يعني انتهاء مهمة الإصلاح، مؤكدًا أن الإصلاحات الهيكلية ستظل العامل الحاسم في جذب الاستثمارات الخاصة وتحقيق نمو مستدام، مشيدا بما تحقق في تحديث سياسة ملكية الدولة، وتحسين بيئة الأعمال، وتطبيق قانون المنافسة، وتبسيط إجراءات الاستثمار والجمارك، إلا أنه أشار إلى أن وتيرة تنفيذ بعض الإصلاحات لا تزال متفاوتة.

ويبرز برنامج التخارج من الأصول الحكومية باعتباره أحد الملفات التي لا تزال بحاجة إلى تسريع، إذ يرى الصندوق أن الحكومة قطعت خطوات مهمة عبر تنفيذ عدد من الصفقات وبدء طروحات جديدة، إلا أن وتيرة التنفيذ ما زالت أقل من المستهدفات التي وضعها البرنامج عند إطلاقه، وهو ما يفسر استمرار تركيز الصندوق على هذا الملف خلال المراجعات المقبلة.

تعكس توقعات الصندوق للعام المالي 2026-2027 هذه الرؤية المتوازنة؛ فبينما يتوقع استمرار النمو عند مستويات جيدة تبلغ 4.4%، واستقرار الاحتياطيات الدولية فوق مستويات الأمان، وتراجع عجز الحساب الجاري تدريجيًا على المدى المتوسط، فإنه يربط تحقيق هذه النتائج باستمرار الإصلاحات الاقتصادية، وتعزيز دور القطاع الخاص، واستكمال برنامج التخارج، باعتبارها الضمانة الأساسية لتحويل التعافي الحالي إلى نمو مستدام قادر على مواجهة الصدمات الخارجية مستقبلًا.

أسعار النفط العالمية

ورغم الارتفاع الحاد في أسعار النفط العالمية وتعطل بعض إمدادات الغاز، يرى الصندوق أن مصر نجحت في احتواء تداعيات الحرب، بفضل إجراءات سريعة ومنسقة على صعيد السياسات، ما أبقى أثر الصدمة محدودًا نسبيًا.

وكان سعر الصرف، بحسب ماتي، أحد أبرز أدوات امتصاص الصدمة، إذ انخفض بنحو 17% مع خروج تدفقات رأسمالية كبيرة، قبل أن يستعيد جانبًا من قيمته مع عودة التدفقات، بما عكس قدرة السوق على التحرك في الاتجاهين وخفف الضغوط على ميزان المدفوعات.

كما رفعت الحكومة أسعار الوقود بنسب تراوحت بين 10% و20% بحسب نوع المنتج، بالتوازي مع إجراءات لترشيد استهلاك الطاقة واحتواء الإنفاق العام.

بلغ نمو الاقتصاد المصري 5.2% خلال الأرباع الثلاثة الأولى من السنة المالية 2025-2026، بينما يتوقع الصندوق أن يسجل 4.6% خلال السنة المالية بالكامل.

وخفض الصندوق توقعاته للنمو بنحو 0.1 نقطة مئوية فقط مقارنة بتقديراته السابقة، وهو ما اعتبره دليلًا على أن تأثير الحرب على النشاط الاقتصادي خلال السنة المالية الحالية ظل محدودًا، وأن أداء الاقتصاد لا يزال قويًا.

كان التضخم في اتجاه هبوطي حتى مارس 2026، قبل أن يرتفع إلى 15.2% عقب اندلاع الحرب، متأثرًا بانخفاض سعر الصرف وتعديلات أسعار الطاقة، إلى جانب بعض تأثيرات سنة الأساس غير المواتية.

وتراجع التضخم لاحقًا إلى 14.3%، فيما ارتفع التضخم الأساسي من 13.8% إلى 14.3%. وبعد التعديل الموسمي، ظل التضخم الأساسي مرتفعًا عند 1.5% على أساس شهري.

ويرى الصندوق أن الزيادة الأولية الحادة في الأسعار كانت نتيجة مباشرة لصدمة العرض، وتحديدًا ارتفاع تكاليف الطاقة وتحركات سعر الصرف، وليس بسبب زيادة مفرطة في الطلب المحلي.

الحرب وسعت عجز الحساب الجاري

رفع صندوق النقد توقعاته لعجز الحساب الجاري خلال السنة المالية 2025-2026 إلى 4.5% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 3.9% في تقديراته السابقة، نتيجة تأثر الميزان التجاري النفطي بتداعيات الحرب.

لكن الأداء القوي لتحويلات المصريين العاملين في الخارج، إلى جانب استقرار إيرادات السياحة، ساعد في الحد من أثر الصدمة على القطاع الخارجي.

وسجلت تحويلات العاملين في الخارج نحو 4 مليارات دولار خلال أبريل، وهو أعلى مستوى شهري على الإطلاق، فيما حافظت إيرادات السياحة على مستوياتها المرتفعة ولم تتأثر بصورة ملموسة بالحرب.

أما إيرادات قناة السويس فبلغت نحو 380 مليون دولار شهريًا، لتظل أقل بكثير من مستوياتها السابقة على 2023، والتي اقتربت من 890 مليون دولار، لكنها واصلت التعافي التدريجي دون أن تتعرض لتأثير مباشر إضافي بسبب الحرب.

ساهمت عقود التحوط على النفط، إلى جانب العقود طويلة الأجل والمستقرة الخاصة بالغاز، في تقليص أثر ارتفاع أسعار الطاقة على الميزان التجاري.

الصندوق يدرس موقف جهاز مستقبل مصر بعد تعديل قانونه

وأكد الصندوق أنه لا يزال يدرس تعديلات قانون جهاز مستقبل مصر الأخيرة ومدى تأثيرها على استراتيجية سياسة ملكية الدولة.