انقسام تاريخي داخل الديمقراطيين.. كيف أعادت غزة ونتنياهو رسم علاقة واشنطن بإسرائيل؟
لم يعد الدعم الأمريكي لإسرائيل محل إجماع داخل أروقة الحزب الديمقراطي كما كان عليه الحال طوال عقود، إذ تشهد القاعدة الديمقراطية تحولًا متسارعًا في نظرتها إلى إسرائيل، مدفوعًا باستمرار الحرب في غزة، والتوترات العسكرية مع إيران، إلى جانب العلاقة الوثيقة التي نسجها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع الحزب الجمهوري، وهو ما يهدد بتحويل أحد أقدم التحالفات في السياسة الخارجية الأمريكية إلى ملف خلافي بين الحزبين.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة "ذا هيل" الأمريكية، استنادًا إلى تطورات المشهد السياسي في واشنطن، فإن هذا التحول لم يعد مجرد اتجاه ترصده استطلاعات الرأي، بل أصبح واقعًا سياسيًا داخل الكونجرس، بعد أن أيد نحو نصف أعضاء الحزب الديمقراطي في مجلس النواب تعديلًا كان يستهدف وقف المساعدات العسكرية لإسرائيل، وهو موقف كان من الصعب تصوره بهذا الحجم من التأييد قبل سنوات قليلة.
وفي الوقت نفسه، تتزايد الانقسامات داخل الحزب الديمقراطي بشأن مستقبل المساعدات العسكرية لإسرائيل، بين تيار يدعو إلى استمرارها، وآخر يطالب بقصرها على الأسلحة الدفاعية، وجناح ثالث يدعو إلى وقفها بشكل كامل.
وكشف استطلاع أجرته جامعة كوينيبياك (Quinnipiac University) أن 48% من الناخبين الأمريكيين و66% من الديمقراطيين يرون أن الولايات المتحدة تقدم دعمًا مفرطًا لإسرائيل، مقارنة بـ16% و20% فقط عند طرح السؤال ذاته عام 2017، وهو ما يعكس حجم التغير الذي طرأ على توجهات الرأي العام الأمريكي خلال أقل من عقد.
من داخل الكونجرس.. أصوات جديدة تكسر الإجماع
لم يعد التحول في موقف الديمقراطيين تجاه إسرائيل مجرد انعكاس لاستطلاعات الرأي، بل تحول إلى واقع سياسي داخل أروقة الكونجرس، ففي تطور وصفه مراقبون بأنه غير مسبوق، صوت نحو نصف أعضاء الحزب الديمقراطي في مجلس النواب لصالح تعديل يدعو إلى وقف المساعدات العسكرية لإسرائيل، وهو مقترح كان من شبه المستحيل أن يحظى بهذا القدر من التأييد قبل سنوات قليلة.
ورغم معارضة زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب حكيم جيفريز وعدد من قيادات الحزب للمشروع، فإن شخصيات بارزة، من بينها رئيسة المجلس السابقة نانسي بيلوسي والقيادية كاثرين كلارك، أيدته، في مؤشر على اتساع دائرة الخلاف داخل الحزب.
ولم يعد النقاش داخل الحزب يدور حول مبدأ دعم إسرائيل من عدمه فقط، بل أصبح يتمحور حول طبيعة هذا الدعم وحدوده؛ ففي الوقت الذي يتمسك فيه تيار باستمرار المساعدات العسكرية دون شروط، يدعو آخرون إلى قصرها على الأسلحة الدفاعية، بينما يطالب الجناح الأكثر تقدمية بتعليقها بالكامل لحين حدوث تغييرات في السياسات الإسرائيلية.
ويرى مراقبون أن هذا الانقسام يعكس تحولًا هيكليًا في طريقة تعاطي الديمقراطيين مع الملف الإسرائيلي، بما قد يعيد رسم ملامح العلاقة التقليدية بين واشنطن وتل أبيب خلال السنوات المقبلة، بعد عقود طويلة من الإجماع شبه الكامل.
ووفقًا لتقرير "ذا هيل"، فإن هذه التطورات تعكس ما وصفه عدد من الباحثين بـ"التحول اللافت" في رؤية الديمقراطيين لإسرائيل، بعدما أصبحت القضية محل خلاف داخلي داخل الحزب أكثر من أي وقت مضى.
جيل جديد يغير قواعد اللعبة
لا يقتصر التحول في الموقف الديمقراطي تجاه إسرائيل على أروقة الكونجرس، بل يعكس تغيرًا أعمق داخل القاعدة الانتخابية للحزب، خاصة بين فئة الشباب. وتشير بيانات مركز بيو للأبحاث إلى تزايد النظرة السلبية للحكومة الإسرائيلية بين الديمقراطيين، مع اتساع الفجوة بين الأجيال، إذ يميل الناخبون الأصغر سنًا إلى تقييم الصراع من منظور حقوق الإنسان والقانون الدولي بدرجة أكبر، مقارنة باعتبارات التحالفات التقليدية.
غزة ونتنياهو.. عوامل أعادت تشكيل المشهد
وترى صحيفة "واشنطن بوست" أن الحرب في غزة شكلت نقطة تحول رئيسية في الرأي العام الأمريكي، بعدما عززت التغطية الإعلامية والاحتجاجات الجامعية الضغوط على القيادات الديمقراطية لمراجعة موقفها من إسرائيل، كما دفعت عددًا متزايدًا من المرشحين إلى تبني مواقف أكثر انتقادًا للحكومة الإسرائيلية.
وفي السياق ذاته، يرى محللون أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أصبح عاملًا إضافيًا في تعميق الانقسام داخل الحزب الديمقراطي، في ظل علاقته الوثيقة بالحزب الجمهوري، والخلافات الممتدة مع الإدارات الديمقراطية، والتي ظهرت بوضوح خلال فترة معارضته للاتفاق النووي الإيراني في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما.
ورغم أن التحالف الأمريكي الإسرائيلي لا يزال يمثل ركيزة أساسية في السياسة الخارجية الأمريكية، فإن التحولات الجارية قد تدفع الإدارات الأمريكية المقبلة إلى إعادة النظر في طبيعة المساعدات العسكرية وشروط تقديمها، بما يعكس تغيرًا تدريجيًا في أولويات الحزب الديمقراطي وتوجهات قاعدته الانتخابية.