تورط طائرات بوينج في حرب السودان.. كيف كشفت الأمم المتحدة شبكة إمداد غامضة لميليشيا "الدعم السريع"؟
فتحت مسودة تقرير أعدها فريق خبراء تابع للأمم المتحدة فصلًا جديدًا في التحقيقات المتعلقة بمصادر تسليح قوات الدعم السريع، بعدما خلصت إلى أن طائرات شحن من طراز بوينج 727 وبوينج 737 استخدمت في نقل أسلحة وطائرات مسيرة ومقاتلين إلى مناطق يسيطر عليها الدعم السريع في إقليم دارفور.
وجاء التقرير بعد أسبوعين فقط من تحقيق استقصائي أجرته وكالة رويترز تتبع حركة هذه الطائرات عبر عدة دول أفريقية، قبل أن تؤكد مسودة التقرير الأممي أن الأدلة تشير إلى استخدامها ضمن شبكة لوجستية معقدة لدعم العمليات العسكرية، مع استمرار التحقيق في احتمال انتهاك حظر السلاح المفروض على دارفور.
من يقف خلف الطائرات؟
بحسب تحقيق الأمم المتحدة، كانت الطائرات الثلاث مرتبطة بشركات يسيطر عليها الأمريكي ستيفن شوليس، وهو جندي سابق في القوات الخاصة الأمريكية عمل لسنوات في مشروعات تعاقدية مع الحكومة الأمريكية والأمم المتحدة.
وأوضح التحقيق أن الطائرات انتقلت بين تشاد وليبيا والصومال ومطارات داخل السودان استخدمت كمراكز لوجستية لقوات الدعم السريع.
لكن صحيفة ميامي هيرالد الأمريكية، من جانبها، شددت في الوقت نفسه على أنها لم تعثر على أي دليل يثبت أن شوليس أو شركاته خضعوا لعقوبات أو وجهت إليهم اتهامات رسمية بارتكاب مخالفات، كما لم يرد على استفسارات الوكالة بشأن التقرير الأممي.
أسلحة ومسيرات ومقاتلون
تذهب مسودة تقرير الأمم المتحدة إلى أبعد من مجرد تتبع حركة الطائرات، إذ تشير إلى أنها استخدمت لنقل أسلحة وطائرات مسيرة ومرتزقة أجانب إلى مناطق العمليات في دارفور، لا سيما خلال المعارك حول مدينة الفاشر، كما يتناول التقرير مشاركة مقاتلين كولومبيين، قال إنهم تعاقدوا مع شركة أمنية مقرها الإمارات قبل انتقالهم إلى ساحات القتال في السودان.
وتبقى هذه النتائج جزءًا من تحقيق أممي لم يصدر بصيغته النهائية بعد، بينما لم تصدر ردود رسمية تؤكد أو تدحض جميع ما ورد فيه.
حرب تتحول إلى شبكة دولية
تكشف القضية أن الحرب السودانية لم تعد صراعًا داخليًا فحسب، بل باتت ترتبط بشبكات نقل وإمداد عابرة للحدود، فقد أظهرت بيانات الرحلات الجوية وصور الأقمار الصناعية، أن الطائرات سلكت مسارات متكررة بين دول الجوار ومراكز لوجستية مرتبطة بمناطق سيطرة الدعم السريع، مع استخدام وسائل تقلل من إمكانية تتبعها عبر أنظمة الطيران التقليدية، وذلك وفقًا لتحقيق رويترز.
ويرى مراقبون أن هذا النمط يعكس تعقيد خطوط الإمداد في النزاعات الحديثة، حيث تتداخل الشركات الخاصة والطيران المدني مع ساحات القتال.
المسيرات تغير قواعد المعركة
يتزامن التقرير مع تحذيرات أممية متزايدة من أن الطائرات المسيرة أصبحت أحد أكثر الأسلحة تأثيرًا في الحرب السودانية.
ووفقًا لتقارير الأمم المتحدة ووكالة أسوشيتد برس، فقد أسهم الاستخدام المكثف للمسيرات من جانب أطراف النزاع في زيادة أعداد الضحايا المدنيين واستهداف البنية التحتية، بما في ذلك الأسواق والمستشفيات ومرافق المياه والطاقة، كما وثقت الأمم المتحدة تصاعد الهجمات بالطائرات المسيرة في إقليم كردفان، محذرة من أن استمرار هذا النمط يفاقم الأزمة الإنسانية ويقوض فرص التوصل إلى هدنة مستدامة.
هل يتسع نطاق التحقيق؟
من المرجح أن يثير التقرير الأممي ضغوطًا جديدة على مجلس الأمن والدول المعنية بتنفيذ حظر السلاح على دارفور، خاصة إذا خلصت النسخة النهائية إلى وجود انتهاكات موثقة.
ويرى خبراء في شؤون النزاعات أن تتبع حركة الطائرات المدنية وتحليل سجلاتها أصبح أداة أساسية لكشف شبكات نقل السلاح في الحروب الحديثة، إلا أن إثبات المسؤولية القانونية يتطلب أدلة إضافية تتجاوز بيانات الرحلات وصور الأقمار الصناعية وحدها، وحتى الآن لا تزال الأمم المتحدة تواصل تحقيقاتها، بينما تنفي أطراف عدة الاتهامات المتبادلة بشأن دعم أي من طرفي النزاع.
حرب تتجاوز حدود السودان
تكشف هذه القضية أن الحرب السودانية أصبحت ساحة تتقاطع فيها مصالح إقليمية ودولية، وأن خطوط الإمداد لم تعد تقتصر على الحدود البرية، بل تمتد عبر مسارات جوية وشركات خاصة وشبكات لوجستية معقدة، وإذا أكدت النسخة النهائية من تقرير الأمم المتحدة ما ورد في مسودته، فقد تواجه الأطراف المتورطة ضغوطًا دبلوماسية وقانونية أكبر، في وقت تستمر فيه الحرب في حصد الأرواح ودفع ملايين السودانيين إلى النزوح، وسط تحذيرات دولية من أن إطالة أمد الصراع ستزيد من تعقيد واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.