ليبيا على صفيح ساخن.. مظاهرات طرابلس بعيون وسائل الإعلام الغربية
اندلعت موجة احتجاجات واسعة في العاصمة الليبية طرابلس ومناطق غربية أخرى ابتداء من مساء السبت، واتسعت بشكل كبير يومي الأحد وأمس الاثنين (26-28 يوليو)، بدأت الاحتجاجات كرد فعل شعبي مباشر على أزمة انقطاع الكهرباء الحادة التي تزامنت مع موجة حر شديدة بلغت فيها درجات الحرارة بين 45 و50 درجة مئوية في بعض المناطق.
ووفقا لشبكة دويتشه فيله الألمانية، وصلت مدة الانقطاع اليومي إلى 10-14 ساعة في أحياء طرابلس وضواحيها، ما أجبر الشركة العامة للكهرباء على إعادة العمل بجداول الفصل المبرمج بعد نحو عامين من الاستقرار النسبي بين 2023 و2025.
موجة احتجاجات مشابهة في مايو 2025 في ميدان الشهداء
لكن راديو فري يورب يشير إلى أن الوضع الحالي يعكس نمطًا متكررًا؛ فقد شهدت طرابلس موجة احتجاجات مشابهة في مايو 2025 في ميدان الشهداء طالبت أيضًا برحيل رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة على خلفية انقطاع الكهرباء والفساد، دون أن تؤدي إلى تغيير سياسي جوهري.
الأسباب الجذرية والعوامل المحفزة: أزمة الكهرباء المباشرة
تعاني الشبكة الكهربائية تعاني من نقص استثمار مزمن، وسرقة واسعة للتيار، وإدارة متنازع عليها. وأكدت مصادر محلية لصحيفة الجارديان البريطانية أن جوهر الأزمة يكمن في صراع نفوذ بين رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة ورئيس مجلس إدارة الشركة العامة للكهرباء محمد المشاي. هذا الصراع أدى إلى شلل في إدارة القطاع.
وذكر موقع ليبيا أبديت أن مدير الشركة عبد الله حمودة وجه في 4 يونيو 2026 تحذيرًا رسميًا مكتوبًا إلى الدبيبة والنائب العام، ينذر بنقص وشيك في الغاز والوقود يهدد استقرار الشبكة. أي أن الحكومة تلقت إنذارات مبكرة قبل نحو شهر ونصف من اندلاع الاحتجاجات، دون اتخاذ إجراءات كافية.
تدهور الظروف المعيشية
أضاف المتظاهرون إلى مطالبهم شكاوى من انقطاعات المياه المتكررة، وضعف النظام الصحي، والتضخم، ونقص السيولة والوقود والأدوية. توقفت محطات التحلية في بعض المناطق بسبب غياب الكهرباء والوقود، ما أدى إلى ارتفاع أسعار المياه المعبأة.
السياق السياسي الأعمق
أشارت صحيفة ذا ناشيونال إلى أن ليبيا منقسمة منذ 2021 بين حكومة الوحدة الوطنية (برئاسة الدبيبة في طرابلس، معترف بها دوليًا) والحكومة الموازية في الشرق (برئاسة أسامة حماد، مدعومة من مجلس النواب وخليفة حفتر). لم يتم إجراء انتخابات وطنية منذ 2014، وفشلت خرائط طريق الأمم المتحدة المتكررة. يرى كثير من المتظاهرين أن الأموال العامة تُهدر في صراعات سياسية بينما تتدهور الخدمات الأساسية.
تسلسل الأحداث بالتفصيل
- 25-26 يوليو: بدأت احتجاجات متفرقة في تاجوراء وسوق الجمعة والزاوية وجنزور. أحرق المتظاهرون إطارات وأغلقوا طرقًا رئيسية، وتجمعوا أمام محطة كهرباء غرب طرابلس.
- 27 يوليو: تحولت الاحتجاجات إلى حملة عصيان مدني منظمة. قادت "حركة سوق الجمعة" (المعارضة للحكومة منذ منتصف 2025) و"أبناء تاجوراء" التصعيد. وأغلقت وزارة الخارجية بأكوام من الأتربة، ومقر الهيئة الوطنية للإذاعة والتلفزيون، وديوان المحاسبة، ومقرات شركتي الاتصالات ليبيانا والمدار، وفروع المصرف المركزي في سوق الجمعة. انتشرت الاحتجاجات إلى عين زارة والسراج وزاوية الدهماني والظهرة.
- 28 يوليو: شهد اليوم الثلاثاء تصعيدا نوعيا باقتحام مجمع مليتة للنفط والغاز (غرب طرابلس بنحو 90 كم). أغلق المتظاهرون خطوط الغاز المغذية لمحطات الكهرباء، ما أدى إلى توقف إنتاج حقلي إلفيل ووفا (نحو 120 ألف برميل يوميًا) وتعطيل مؤقت لتصدير الغاز إلى إيطاليا عبر خط غرينستريم. حذرت الشركة العامة للكهرباء والمؤسسة الوطنية للنفط من خطر انهيار شامل للشبكة. أعادت وزارة الدفاع السيطرة على المجمع واستأنفت إمدادات الغاز بحلول منتصف النهار، مما ساهم في استقرار الشبكة تدريجيًا
وفي مصراتة نظمت قوة عسكرية معارضة للدبيبة استعراضًا بقوافل عسكرية، فيما أفادت تقارير محلية بإطلاق نار من مجموعة مسلحة مرتبطة بالحكومة على متظاهرين في جنزور، دون تأكيد رسمي بعدد الإصابات.
ردود الفعل الرسمية والأمنية
لم تصدر حكومة الوحدة الوطنية بيانًا سياسيًا شاملًا حتى مساء 27 يوليو. اقتصر الرد الأولي على بيان من قوات حماية مكتب رئيس الوزراء يحذر من إثارة الفوضى ويؤكد أن حرية التعبير مكفولة بالقانون. رفع وزير الداخلية بالوكالة عماد الطرابلسي حالة الاستنفار الأمني القصوى.
وكشفت مصادر سياسية لصحيفة ذا ناشونال عن توتر قائم بين الدبيبة وقائد ميليشيا "الردع" عبد الرؤوف كارة، المسيطر على منطقة مطار معيتيقة والذي يحظى بنفوذ قوي في سوق الجمعة وتاجوراء، وهما من أبرز بؤر الاحتجاج.
البعد الدولي والموقف الأمريكي
في اليوم نفسه الذي تصاعدت فيه الاحتجاجات، الأحد 27 يوليو، أجرى مستشار البيت الأبيض للشؤون الأفريقية مسعد بولوس اتصالًا هاتفيًا مع الدبيبة. ناقشا خطوات توحيد المؤسسات العسكرية شرقًا وغربًا والتنسيق مع القيادة الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم). أكد بولوس التزام واشنطن بدعم التوحيد "لتحقيق سلام واستقرار وازدهار دائمين". يعكس هذا الاتصال استمرار المسار الأمريكي الذي يركز على الترتيبات بين النخب (عائلة الدبيبة وحفتر) بمعزل نسبي عن الغضب الشعبي في الشارع.
التداعيات والنتائج حتى الآن
تشهد ليبيا انقطاع مياه الشرب في عدة أحياء، وارتفاع أسعار المياه المعبأة، واستمرار الضغط على القطاع الصحي. وجغرافيا؛ امتداد الاحتجاجات إلى الزاوية وغريان ومصراتة، مع ظهور لجان محلية في بعض الأحياء تعلن إدارة شؤونها بمعزل عن الحكومة المركزية.
اقتصاديا واستراتيجيا، تم اقتحام مجمع مليتة يمثل أول انتقال من الاحتجاج الرمزي إلى استهداف بنية تحتية نفطية وغازية استراتيجية. استُعيدت السيطرة بسرعة، لكن الرسالة السياسية كانت واضحة. أما سياسيا؛ فببطعض التغطيات وصفت الاحتجاجات بأنها لم تعد تطالب برحيل الحكومة مستقبلًا، بل بدأت تتعامل معها على أنها "ساقطة فعليًا". ويبدو أن المطالب تجاوزت الكهرباء لتشمل حل المؤسسات السياسية القائمة (الحكومة، مجلس النواب، المجلس الأعلى للدولة، المجلس الرئاسي).
ارتفاع منسوب التوتر بين الفصائل المسلحة، مع مخاوف من تحول الاحتجاج المدني إلى مواجهة مسلحة أوسع.
ونجحت السلطات في استعادة السيطرة على مجمع مليتة واستقرار الشبكة جزئيًا، لكن الاحتجاجات لم تنتهي، والمطالب السياسية لا تزال قائمة، ما يؤكد أن أي حل جزئي لأزمة الكهرباء دون معالجة الجذور السياسية سيظل حلا مؤقتا.