ماكرون وميرتس في سباق مع الزمن.. هل ينقذ المحور الفرنسي-الألماني مستقبل أوروبا؟
في حين تواجه أوروبا تحديات أمنية واقتصادية غير مسبوقة، يسعى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى توجيه رسالة واضحة مفادها أن المحور الفرنسي-الألماني لا يزال قادرًا على قيادة الاتحاد الأوروبي، رغم الخلافات التي شابت العلاقات الثنائية خلال السنوات الماضية.
وجاءت القمة، التي استمرت يومين في ألمانيا، لتؤكد رغبة باريس وبرلين في إعادة إحياء ما يُعرف بـ"المحرك الفرنسي-الألماني"، مع التركيز على تعزيز القدرات الدفاعية، وتطوير الصناعات الاستراتيجية، وتسريع الابتكار التكنولوجي.
وتكتسب هذه القمة، وفقًا لموقع بوليتيكو يوروب، أهمية استثنائية؛ لأنها تمثل آخر اجتماع وزاري فرنسي-ألماني قبل انتهاء ولاية ماكرون العام المقبل، كما تأتي في ظل صعود لافت لليمين المتطرف بقيادة مارين لوبان، التي تشير استطلاعات الرأي إلى أنها تملك فرصة حقيقية للفوز في الانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2027، وهو ما يثير مخاوف أوروبية من تغير جذري في توجهات باريس إذا وصلت إلى قصر الإليزيه.
الدفاع الأوروبي في صدارة الأولويات
كان الملف الدفاعي العنوان الأبرز للقمة، إذ أكد ماكرون أن البلدين يسعيان إلى منح "زخم جديد" لقدرات الردع الأوروبية، وتعزيز أنظمة الإنذار المبكر، وتطوير أسلحة الضربات بعيدة المدى، إلى جانب بناء قدرات عسكرية مشتركة قادرة على مواجهة التهديدات المتزايدة.
ومن المقرر أن يقود الزعيمان اجتماعات في قاعدة نورفينيش الجوية الألمانية، حيث يناقشان مستقبل التعاون العسكري بين البلدين، في ظل قناعة متزايدة داخل العواصم الأوروبية بأن الاعتماد المطلق على الولايات المتحدة لم يعد خيارًا مضمونًا، خاصة بعد التغيرات المتلاحقة في السياسة الأمريكية، وتزايد الضغوط على حلف شمال الأطلسي.
كما يأتي هذا التوجه بعد تعثر مشروع منظومة القتال الجوي المستقبلية (FCAS)، الذي كان يمثل أحد أكبر مشاريع التعاون الدفاعي بين باريس وبرلين. ورغم تعثر المشروع، يؤكد الجانبان عزمهما الحفاظ على أجزاء واسعة من البرنامج، خاصة الشبكات الرقمية التي تربط الطائرات والطائرات المسيّرة والمنصات العسكرية المختلفة.
سباق مع الزمن قبل الانتخابات الفرنسية في 2027
لا تنبع أهمية القمة من الملفات الدفاعية وحدها، بل أيضًا من عامل الزمن. فبرلين تدرك أن الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة قد تعيد رسم المشهد الأوروبي بالكامل إذا وصلت مارين لوبان إلى السلطة.
وزادت المخاوف بعد قرار محكمة الاستئناف في باريس تقليص مدة حرمان لوبان من الترشح للمناصب العامة، ما أبقى الطريق مفتوحًا أمامها لخوض انتخابات 2027.
ولهذا، يسعى البلدان إلى إنجاز أكبر عدد ممكن من الملفات الأوروبية قبل حدوث أي تغير سياسي في فرنسا، وعلى رأسها الاتفاق على الإطار المالي متعدد السنوات للاتحاد الأوروبي، الذي يحدد أولويات الإنفاق حتى مطلع العقد المقبل.
وقال وزير الدولة الألماني للشؤون الأوروبية غونتر كريشباوم إن الحكومات الأوروبية مطالبة بـ"اغتنام الفرصة" وإنجاز المشاريع الكبرى سريعًا، مؤكدًا أن الميزانية الأوروبية الجديدة يجب أن تمنح أولوية للتكنولوجيا والابتكار، وقبل كل شيء للأمن والدفاع.
خلافات باقية رغم المصافحة
ورغم الأجواء الإيجابية التي أحاطت بالقمة، فإن الخلافات الجوهرية بين باريس وبرلين لا تزال قائمة، ففرنسا تدعو إلى توسيع مصادر تمويل الاتحاد الأوروبي لدعم الصناعات الاستراتيجية، مع الحفاظ على الإنفاق الزراعي، بينما ترى ألمانيا أن مقترحات المفوضية الأوروبية تؤدي إلى ميزانية أكبر من اللازم، وتفضل ميزانية أكثر انضباطًا تركز على تعزيز القدرة التنافسية والأمن والدفاع.
كما تستمر الخلافات بشأن اتفاقية التجارة الحرة مع تكتل ميركوسور في أمريكا الجنوبية؛ إذ تدعمها برلين بقوة، بينما ترفضها باريس خشية تأثيرها في القطاع الزراعي الفرنسي.
أما على الصعيد العسكري، فما تزال عدة مشاريع دفاعية مشتركة تواجه صعوبات تتعلق بالتكاليف، وتقاسم التكنولوجيا، وآليات الإدارة.
التكنولوجيا.. ساحة المنافسة الجديدة
لم تعد المنافسة الدولية تقتصر على الأسلحة التقليدية، بل أصبحت التكنولوجيا المتقدمة جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي، ولهذا، يناقش الجانبان مجموعة واسعة من المشاريع المستقبلية، تشمل منظومة الأقمار الصناعية الأوروبية IRIS²، وأمن الذكاء الاصطناعي، وأبحاث الحوسبة الكمية، وتقنيات الاندماج النووي، وإنشاء ممرات للهيدروجين الأخضر، إضافة إلى تعزيز التعاون في مجالات الفضاء والابتكار الصناعي.
ويعكس هذا التوجه إدراكًا متزايدًا بأن التفوق الاقتصادي والعسكري في العقود المقبلة سيعتمد بصورة أساسية على امتلاك التكنولوجيا المتقدمة، وليس فقط على حجم الجيوش أو حجم الإنفاق الدفاعي.
عودة "الروح الفرنسية-الألمانية"
يشير مسؤولون في باريس وبرلين إلى أن العلاقات الشخصية بين ماكرون وميرتس أسهمت في إعادة إحياء ما يُعرف داخل المؤسسات الأوروبية بـ"الانعكاس الفرنسي-الألماني"، بعد سنوات من الفتور خلال عهد المستشار الألماني السابق أولاف شولتس.
ووصف ميرتس علاقته بماكرون بأنها تقوم على "رابطة شخصية عميقة"، بينما يرى دبلوماسيون أن هذه الكيمياء السياسية ساعدت على تجاوز عدد من الخلافات التي عطلت التعاون بين أكبر اقتصادين في الاتحاد الأوروبي.
واستحضر ميرتس، خلال استقباله الرئيس الفرنسي، ذكرى معاهدة الإليزيه التي أرست أسس المصالحة الفرنسية-الألمانية قبل أكثر من ستة عقود، معتبرًا أن اللحظة الحالية تتطلب استعادة الروح نفسها لمواجهة التحديات الجديدة.
هل ينجح المحرك الأوروبي في استعادة زخمه؟
رغم التفاؤل الذي أبداه الزعيمان، فإن نجاح هذه المبادرة سيقاس بقدرتهما على تحويل التصريحات السياسية إلى اتفاقات عملية، خاصة في ملفات الدفاع والميزانية والتكنولوجيا.
فأوروبا تجد نفسها اليوم أمام اختبار تاريخي يتمثل في بناء استقلالية استراتيجية أكبر، في وقت تتصاعد فيه الحرب في أوكرانيا، وتتزايد المنافسة مع الصين، وتستمر الاضطرابات في الشرق الأوسط، بينما يظل مستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة عرضة للتغير مع كل دورة انتخابية.
ولهذا، لا تبدو القمة مجرد لقاء ثنائي بين باريس وبرلين، بل محاولة أخيرة لترسيخ أسس مشروع أوروبي أكثر تماسكًا قبل أن تفرض الانتخابات الفرنسية المقبلة واقعًا سياسيًا جديدًا قد يعيد توزيع موازين القوى داخل الاتحاد الأوروبي بأكمله.