الحرب الطويلة تمنح الحرس الثوري مكاسب سياسية.. لماذا قد تتحول استراتيجية ترامب إلى هدية لطهران؟
بينما كان الأمريكيون في فراشهم ليلًا، كانت الصواريخ الأمريكية تواصل قصف أهداف في مختلف أنحاء إيران دون أي بادرة على التوقف، ومع تهديد الرئيس دونالد ترامب بتوسيع حملته العسكرية لتشمل الجسور ومحطات الطاقة بعد خمسة أيام متتالية من الضربات، فلم يعد لدى المواطن الإيراني العادي الكثير مما يدعو للامتنان، لكن بالنسبة لقادة الحرس الثوري الإيراني المتشددين -الجهة العسكرية التي تدير مصير البلاد فعليًا- تبدو الحرب "هدية لا تكف عن العطاء"، وفق تقدير المحلل السياسي ديفيد أفير، بمجلة نيوزويك الأمريكية.
من "منهي الحروب" إلى حرب ثالثة بلا نهاية
كان ترامب قد قدم نفسه خلال حملته الانتخابية الرئاسية الثانية بوصفه الرجل الوحيد القادر على إنهاء النزاعات الخارجية، منتقدًا أسلافه بسبب مغامراتهم المكلفة في العراق وأفغانستان، وهما حربان طالما وُصفتا بـ"الحربين الأبديتين" لطول أمدهما وعواقبهما الجسيمة، لكن ترامب بات الآن على وشك الإشراف على حرب ثالثة من هذا النوع، وهو ما يعني عمليًا أنه يكافئ النظام الذي يزعم أنه يسعى إلى تغييره.
"حرب طويلة تخدم الحرس الثوري".. تفسير أكاديمي لعناد طهران
لفهم رفض طهران الرضوخ لضغوط قنابل ترامب، لا بد من إدراك حقيقة بسيطة: ما يصب في مصلحة الشعب الإيراني ليس بالضرورة ما يصب في مصلحة الحرس الثوري.
وقال أندرياس كريج، الخبير في الأمن بمنطقة الشرق الأوسط والأستاذ المشارك بكلية الدراسات الأمنية في كينجز كوليدج لندن، إن الصراع المطول يخدم الحرس الثوري لأنه "يعزز كل ركائز نموذجه السياسي"، موضحًا أنه يبقي إيران في حالة تعبئة دائمة، ويبرر القمع الاجتماعي، ويهمش المؤسسات المدنية، ويتيح للحرس الثوري تقديم نفسه بوصفه المدافع الذي لا غنى عنه عن البلاد، إلى جانب الحفاظ على أهم أوراق ضغط إيران، والمتمثلة في القدرة على تعطيل مضيق هرمز والتأثير في تدفقات الطاقة العالمية.
حرب غير متكافئة.. كيف تُخضع الصواريخ الرخيصة الاقتصاد العالمي؟
يجسد هذا الوضع مفهوم "الحرب غير المتكافئة" بامتياز؛ فقدرات إيران العسكرية، المعتمدة بشكل شبه حصري على مخزونها من الصواريخ والطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة، لا تضاهي على الورق قوة الآلة الحربية الأمريكية، لكن مخزونًا من هذه القذائف البسيطة يكفي لتمكين طهران من خنق أحد أهم الممرات المائية في العالم، وقلب الاقتصاد العالمي رأسًا على عقب، وتقديم برهان لكل دولة خليجية على أن تحالفها مع واشنطن له ثمن باهظ.
وإذا أحسن الحرس الثوري استغلال أوراقه، فقد لا تتوقف المكاسب عند هذا الحد؛ إذ يمكن لإيران، بصفتها الدولة الوحيدة القادرة على ضمان المرور الآمن عبر الممر الحيوي، أن تعوض تكلفة العقوبات الأمريكية من خلال عقد اتفاقيات تجارية مع دول أخرى، مقابل إتاحة وصول غير مقيد إلى المضيق ونفطها في إطار صفقات اقتصادية تفضيلية.
الصين تراقب من بعيد.. رهان جيوسياسي على بقاء إيران متحكمة بالمضيق
وقال بيمان صالحي، المحلل السياسي المقيم في طهران، إنه يفضل النظر إلى هذا الصراع لا باعتباره حربًا بين إيران والولايات المتحدة فقط، بل باعتباره منافسة بين قوة مهيمنة قائمة ونظام عالمي متعدد الأقطاب ناشئ، موضحًا أنه إذا انهارت إيران تحت وطأة الضربات الأمريكية، وبرزت السعودية بوصفها القوة الإقليمية الوحيدة، فإن ذلك يعقد وصول نحو 40% من صادرات الطاقة في الشرق الأوسط المتجهة إلى بكين، ما يمنح الصين مصلحة مباشرة في بقاء المضيق تحت النفوذ الإيراني.
ترامب في ركن ضيق.. لا مخرج سهل دون حرب برية
في المقابل، بات ترامب في ركن ضيق يصعب الخروج منه؛ فالضربات الجوية قد تدمر البنية التحتية الإيرانية وتزيد معاناة سكانها، لكنها لن تقضي بصورة موثوقة على قدراتها الهجومية، ولن تُحدث -كما أجمع محللون ومؤرخون عسكريون- أي تغيير في النظام، والوسيلة الوحيدة لتفكيك النظام الإيراني وشبكة تهديداته الجوية تكمن في حملة برية طويلة وباهظة التكلفة، وهو أمر تراهن طهران بثقة على أن ترامب لن يستطيع إقناع الكونجرس أو الشعب الأمريكي به.
وأضاف كريج أن واشنطن "يمكنها التصعيد، لكنها لا تستطيع تحقيق أهدافها القصوى بتكلفة مقبولة"، وأن الحرس الثوري يدرك ذلك جيدًا، ويعتقد أن إيران قادرة على تحمل الألم لفترة أطول مما يستطيع ترامب تحمل ارتفاع أسعار الطاقة، والخسائر العسكرية، والضغط السياسي الداخلي، واضطراب التجارة العالمية.
"احذروا مما تتمنون".. خطر الإفراط في استغلال الورقة
لكن الإفراط في الطمع قد يقلب الطاولة على المتشددين الإيرانيين؛ فلا كمية من النفوذ على مضيق هرمز يمكن أن تساعد طهران على تحمل حصار بلا نهاية، وتدهور متصاعد في البنية التحتية، وهروب الاستثمارات.
وحذرت الباحثة الأولى لشؤون أمن الشرق الأوسط في معهد "رويال يونايتد سيرفيسز" بركو أوزتشيليك من أن موجات الضربات الأمريكية المتتالية قد تعزز المكانة الرمزية للحرس الثوري بوصفه حامي الجمهورية الإسلامية، لكن الواقع أن إيران "تعاني فعليًا".
وأضافت أنه إذا مضى ترامب في تهديده باستهداف البنية التحتية الوطنية، خصوصًا قدرات إنتاج وتصدير النفط، فسيمثل ذلك مستوى جديدًا من التصعيد يصعب التنبؤ برد فعل الإيرانيين العاديين تجاهه.
"النظام يحتاج تدفقًا نقديًا".. تحذير من انهيار داخلي أخطر من أي هجوم خارجي
وأكد كريج أن النظام الإيراني "يحتاج إلى تدفق نقدي.. يحتاج إلى عائدات النفط، والوصول إلى الاحتياطيات الأجنبية، وقدر كافٍ من النشاط الاقتصادي لدفع الرواتب، ودعم الإعانات، وتمويل إعادة الإعمار"، محذرًا من أنه إذا لم يتحقق ذلك، فستواجه الدولة "في مرحلة ما مشكلة أكبر بكثير من أي هجوم خارجي"، إذ إن شعبًا لا يرى مستقبلًا اقتصاديًا، وحكومة لا تقدم له سوى القمع، يمثلان نقطة الضعف الحقيقية طويلة المدى للحرس الثوري.
وحتى إذا لم يواجه الحرس الثوري انتفاضة شعبية، فإن الإفراط في استغلال أوراقه قد يحول نفوذه المتصاعد على الساحة الدولية إلى تبعية طويلة الأمد لقوى أكبر، وعلى رأسها الصين، التي قد تحول دعمها الدبلوماسي والمالي الحالي إلى مطالبات بأسعار نفط مخفضة إذا شعرت بأن المتشددين في طهران غير مستعدين لتقديم أي تنازلات.
من يحتاج "قصة انتصار" أكثر.. ترامب أم طهران؟
يرى مراقبون أن كلا الطرفين، ترامب والحرس الثوري، يحتاج إلى تقديم "قصة نجاح" لجمهوره الداخلي حتى يصمد أي سلام مستقبلي؛ فترامب، رغم عدم ممانعته تغيير استراتيجيته، ملتزم بلعب دور القائد المهيمن، ونادرًا ما يعترف بالخطأ.
وقال كريج إن ترامب "من المرجح أن يتراجع إذا استطاع تحويل الأمر إلى مشهد انتصار"، إذ يحتاج إلى رواية تفيد بأن حملة الضغط التي قادها نجحت، بحيث يعلن أن إيران تعهدت بعدم بناء سلاح نووي، وأن الملاحة استؤنفت، وعندها فقط سيقبل بأي اتفاق، رغم أن الصراع المطول يتناقض مع شعار "أمريكا أولًا"، ويعرض القوات الأمريكية للخطر، ويزعزع أسواق الطاقة، ويزيد اعتماد واشنطن على دول الخليج.
وبالمثل، تحتاج طهران إلى روايتها الخاصة التي تؤكد أن المقاومة أجبرت واشنطن على التراجع، وأنها حققت نفوذًا على المضيق، وأن رفع العقوبات تحقق دون التخلي عن سيادتها.
ثغرات مذكرة التفاهم.. لا طريق واضح للعودة إلى طاولة المفاوضات
وترى أوزتشيليك أن غموض مذكرة التفاهم الموقعة بين واشنطن وطهران الشهر الماضي، والتي شكلت أساس مفاوضات السلام، يحكم على الهدنة بالفشل في صيغتها الحالية؛ إذ لم يتفق الطرفان على التفسير ذاته لشروط حرية الملاحة عبر مضيق هرمز، فطهران ترى أن المذكرة تعترف بحقها في تحديد وتنظيم المرور الآمن عبر المضيق، بينما تتوقع واشنطن أن يكون المضيق مفتوحًا دون قيد أو شرط، وهي فجوة تصفها بأنها "غير قابلة للتوفيق" في ظل المذكرة الحالية.
وتضيف أن العيب الجوهري يكمن في غياب بند لتسوية النزاعات أو التحقق من الالتزام، ما ترك الطرفين، بعد فشل تنفيذ الاتفاق الأولي، دون طريق واضح للعودة إلى طاولة المفاوضات.
ويختصر كريج المشهد بقوله إن "لا طرف قريب من تسوية حقيقية، لكن لا طرف يريد حربًا شاملة أيضًا"، ما يجعل دورة مطولة من المحادثات والتهديدات والضربات هي المسار الأرجح في المستقبل المنظور.