< اللعب الخشن في الكرة الأرجنتينية.. ثقافة متجذرة أم مجرد تكتيك؟
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

اللعب الخشن في الكرة الأرجنتينية.. ثقافة متجذرة أم مجرد تكتيك؟

الرئيس نيوز

لا يبدو اللعب الخشن الذي تتسم به بعض المنتخبات والفرق التي يقودها مدربون أرجنتينيون مجرد قرارات تكتيكية تتخذ قبل المباريات، بل تعكس تراثا ثقافيًا امتد لعقود. وقد عاد هذا الجدل إلى الواجهة خلال كأس العالم 2026، بعدما تعرض منتخب باراجواي لانتقادات بسبب لعبه الخشن، بينما دافع مقربون من الجهاز الفني عن ذلك باعتباره جزءًا من "ثقافة القتال" داخل المستطيل الأخضر. ولم يكن من قبيل المصادفة أن يقود الفريق المدرب الأرجنتيني جوستافو ألفارو، الذي أعاد باراجواي إلى كأس العالم لأول مرة منذ 2010، وفقا لموقع الفيفا على الويب.

من "أنتي فوتبول" إلى "تشوليسمو"

من أجل فهم جذور هذه الفلسفة، لا بد من العودة إلى ستينيات القرن الماضي، حين وضع المدرب الأرجنتيني أوسفالدو زوبيلديا مع نادي إستوديانتس دي لا بلاتا أسلوبًا عُرف باسم "أنتي فوتبول"، وهو نهج يقوم على التنظيم الصارم، والضغط المستمر واستفزاز الفريق الخصم، واستنزاف المنافس نفسيًا وبدنيًا بقدر ما يعتمد على المهارة الفنية. ورغم الجدل الذي أثاره هذا الأسلوب، فإنه ترك أثرًا عميقًا في أجيال لاحقة من المدربين.

من أبرز من تأثروا بهذه المدرسة كارلوس بيلاردو، الذي نقلها إلى المنتخب الأرجنتيني وأضاف إليها قدرًا كبيرًا من الانضباط التكتيكي، قبل أن يرثها لاحقًا دييغو سيميوني، الذي حوّلها إلى هوية كاملة مع أتلتيكو مدريد فيما أصبح يُعرف عالميًا باسم "تشوليسمو". وتشير تحليلات رياضية إلى أن سيميوني اكتسب كثيرًا من أفكار بيلاردو خلال فترة لعبه تحت قيادته في إشبيلية مطلع التسعينيات.

حرب فلسفية قسمت الأرجنتين

ووفقا لموقع دويتشه فيله الألماني، لم تكن هذه المدرسة محل إجماع داخل الأرجنتين، بل واجهت منذ البداية تيارًا مختلفًا تمامًا قاده سيزار لويس مينوتي. فقد آمن مينوتي بأن كرة القدم ليست مجرد وسيلة للفوز، بل مساحة للإبداع والجمال والاستحواذ، مستلهمًا كثيرًا من أفكار منتخب البرازيل بطل مونديال 1970، وفقا لصحيفة هولدنح مانفيلد البريطانية.

وعندما تولى بيلاردو تدريب المنتخب عام 1983، انقلب المشهد رأسًا على عقب. أصبحت الأولوية المطلقة لتحقيق الانتصار، حتى لو جاء ذلك عبر مباراة مغلقة أو صراع بدني شرس، أو هدف بلمسة يد، بينما ظل مينوتي يؤكد أن قيمة اللعبة لا تقل أهمية عن النتيجة نفسها. ورغم الانتقادات الواسعة التي واجهها بيلاردو، قاد الأرجنتين إلى لقب كأس العالم 1986 بقيادة دييغو مارادونا، لترسخ المواجهة بين "مينوتيزمو" و"بيلارديزمو" كأشهر انقسام فكري في تاريخ الكرة الأرجنتينية. 

كما ينظر إلى خورخي سامباولي باعتباره أحد أبرز تلاميذ بييلسا، وهو ما يؤكد أن المدرسة التدريبية الأرجنتينية ليست كتلة واحدة، بل تضم اتجاهات فكرية متنافسة منذ أكثر من نصف قرن، لكل منها رؤيته الخاصة لمعنى الفوز وطريقة الوصول إليه.

ماذا يقول علماء الاجتماع؟

لم يبقِ الباحثون هذه الظاهرة داخل حدود التحليل الرياضي. فقد تناولها عالم الأنثروبولوجيا الأرجنتيني إدواردو أركيتي في كتابه "الرجولة: كرة القدم والبولو والتانجو في الأرجنتين"، موضحًا أن ملاعب الأحياء الشعبية، أو ما يُعرف محليًا بـ"البوتريرو"، لعبت دورًا أساسيًا في تشكيل شخصية اللاعب الأرجنتيني، حيث تتداخل المهارة الفردية مع الاحتكاك الجسدي والمنافسة اليومية منذ الطفولة. 

وتوصلت دراسة منشورة في مجلة International Review for the Sociology of Sport إلى أن الثقافة الكروية في الأرجنتين تمنح قيمة كبيرة لتحمل الألم وعدم التراجع في المواجهات البدنية، باعتبار ذلك جزءًا من مفهوم الرجولة الرياضية داخل الملاعب. 

"أجوانتي".. كلمة تختصر كل شيء

ربما لا توجد كلمة تشرح هذه الثقافة أكثر من "أجوانتي" (Aguante)، وهي كلمة يصعب ترجمتها حرفيًا، لكنها تجمع بين الصمود، والتحمل، والوفاء للفريق، والفوز بأي ثمن حتى إحراز هدف بلمسة يد أو العرقلة العنيفة طالما بعيدا عن ناظري طاقم التحكيم مهما كانت الظروف. وتشير صحيفة بيزنس أيريس هيرالد إلى أن المصطلح أصبح جزءًا من الهوية الرياضية والاجتماعية في الأرجنتين، بينما يرى باحثون في الثقافة الشعبية أن هذه القيمة تجاوزت المدرجات لتصبح عنصرًا أساسيًا في تكوين اللاعب منذ الصغر وتجمع لديه مخزونا من المكر والمراوغة والإصرار على استنزاف المنافس.