دعمًا لتعافي قطاع الطيران.. مصر تشطب 3 ملايين دولار من ديون الخطوط الجوية السودانية
في خطوة تحمل أبعادا تتجاوز قيمتها المالية، قررت مصر شطب ثلاثة ملايين دولار من الديون المستحقة على شركة الخطوط الجوية السودانية، في رسالة دعم واضحة لقطاع الطيران السوداني الذي يحاول استعادة نشاطه بعد سنوات من الحرب والاضطرابات.
ويأتي القرار في وقت يشهد فيه السودان جهودا واسعة لإعادة بناء مؤسساته الحيوية وإحياء حركة النقل الجوي، بما يعزز الروابط الاقتصادية والإنسانية مع دول الجوار، وفي مقدمتها مصر، وفقا لمنصة "سي إتش أفيشن" المتخصصة في صناعة الطيران.
ولا ينظر إلى هذه الخطوة باعتبارها مجرد تسوية مالية، بل باعتبارها جزءا من مسار أوسع يهدف إلى دعم تعافي السودان، وإعادة تشغيل مؤسساته الاستراتيجية، وفي مقدمتها قطاع الطيران المدني، الذي يعد من أهم القطاعات اللازمة لعودة النشاط الاقتصادي والاستثماري والإنساني إلى البلاد.
شركة عريقة أنهكتها الحروب والعقوبات
تعد الخطوط الجوية السودانية من أقدم شركات الطيران في القارة الإفريقية، إذ تأسست عام ١٩٤٦، وشكلت لعقود طويلة الناقل الوطني للسودان، وربطت الخرطوم بعشرات الوجهات الإقليمية والدولية.
لكن مسيرة الشركة تعرضت لضربات متلاحقة على مدى سنوات، نتيجة العقوبات الدولية والأزمات الاقتصادية والتراجع المستمر في الاستثمارات، قبل أن تزيد الحرب الأخيرة من حجم التحديات التي تواجهها.
واليوم، لا تشغل الشركة سوى ثلاث طائرات قديمة، بينما لا يزال الحظر الأوروبي المفروض عليها منذ مارس ٢٠١٠ قائما بسبب معايير السلامة، الأمر الذي حد بشكل كبير من قدرتها على استعادة حضورها في الأسواق الدولية، وفقا لبيانات سي إتش أفياشن ومراجع تاريخية متخصصة في قطاع الطيران.
الحرب أعادت قطاع الطيران سنوات إلى الوراء
جاء قرار شطب الديون في وقت لا يزال فيه قطاع الطيران السوداني يحاول التعافي من آثار الحرب التي ألحقت أضرارا واسعة بالبنية التحتية للمطارات وشبكات النقل الجوي.
وكان مطار الخرطوم الدولي قد خرج من الخدمة لفترة طويلة بسبب المعارك، قبل أن تبدأ أعمال إعادة تأهيله تدريجيا عقب استعادة الجيش السوداني السيطرة على العاصمة في مارس ٢٠٢٥.
وفي فبراير ٢٠٢٦، شهد المطار حدثا رمزيا تمثل في استقبال أول رحلة تجارية منتظمة منذ أكثر من عامين، عندما هبطت طائرة تابعة للخطوط الجوية السودانية قادمة من مدينة بورسودان وعلى متنها عشرات الركاب، في خطوة اعتبرت مؤشرا على عودة الحياة تدريجيا إلى أحد أهم مرافق البلاد، بحسب أديس ستاندرد.
تعاون مصري سوداني يمتد لسنوات
ولا يعد قرار شطب الديون حدثا معزولا في سجل التعاون بين القاهرة والخرطوم في قطاع الطيران، فالعلاقات بين الجانبين شهدت محطات عديدة، من بينها قيام شركة مصر للطيران في عام ٢٠١٦ بسداد غرامة بلغت مئة وأربعين ألف دولار للسلطات الأمريكية، بعد تأجير طائرتين من طراز بوينج سبعمئة وسبعة وثلاثين إلى الخطوط الجوية السودانية خلال الفترة بين أغسطس ٢٠١٠ وفبراير ٢٠١١، في مخالفة للعقوبات التجارية الأمريكية المفروضة على السودان آنذاك.
ورغم التداعيات القانونية لتلك الواقعة، فإنها عكست حجم التعاون التشغيلي بين الناقلتين الوطنيتين، واستمرار التواصل بينهما حتى في أصعب الظروف.
رسالة تتجاوز الأرقام
ويرى المتخصصون في صناعة الطيران أن قيمة الديون المشطوبة، رغم محدوديتها مقارنة بحجم التحديات التي تواجه قطاع الطيران السوداني، تحمل دلالة سياسية واقتصادية كبيرة. فالقرار يبعث برسالة مفادها أن القاهرة تنظر إلى استقرار السودان باعتباره مصلحة مشتركة، وأن دعم المؤسسات الوطنية السودانية يمثل استثمارا في مستقبل المنطقة بأكملها، وليس مجرد مساعدة مالية مؤقتة.
كما يساهم تخفيف الأعباء المالية عن الخطوط الجوية السودانية في منح الشركة مساحة أكبر لإعادة ترتيب أوضاعها التشغيلية، وتحسين قدرتها على استئناف الرحلات وتطوير أسطولها تدريجيا، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى إعادة ربط مدنها بالعالم الخارجي.
الطيران بوابة لإعادة الإعمار
ويؤكد خبراء النقل الجوي أن تعافي شركات الطيران الوطنية يعد أحد المؤشرات الأساسية على تعافي الدول الخارجة من النزاعات، لأن الطيران لا يقتصر على نقل المسافرين، بل يمثل شريانا رئيسيا للتجارة والاستثمار والمساعدات الإنسانية وحركة الخبراء ورجال الأعمال.
ومن هذا المنطلق، فإن إعادة تأهيل الخطوط الجوية السودانية تشكل جزءا من عملية إعادة الإعمار، إلى جانب إعادة تشغيل المطارات وتحديث أنظمة الملاحة الجوية واستعادة ثقة شركات التأمين والطيران الدولية.
القاهرة والخرطوم.. شراكة تتجاوز قطاع الطيران
ويأتي قرار شطب الديون ضمن سياق أوسع من التعاون بين مصر والسودان، في ظل الروابط التاريخية والجغرافية التي تجمع البلدين، والتنسيق المستمر في ملفات الأمن الإقليمي، ومياه النيل، والتجارة، والبنية التحتية.
وتسعى القاهرة إلى توظيف أدوات التعاون الاقتصادي والفني لدعم استقرار السودان خلال مرحلة إعادة البناء، انطلاقا من قناعة بأن استقرار الخرطوم ينعكس بصورة مباشرة على استقرار المنطقة بأسرها.