< اعتراف إسرائيلي بإبادة الأرمن.. هل بدأت أخطر مواجهة سياسية مع تركيا؟
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

اعتراف إسرائيلي بإبادة الأرمن.. هل بدأت أخطر مواجهة سياسية مع تركيا؟

الرئيس نيوز

سلطت صحيفة آراب ويكلي الضوء على قرار تقول إنه يكسر عقودا من الحذر؛ ففي خطوة غير مسبوقة، قررت حكومة الاحتلال الإسرائيلية الاعتراف رسميا بالإبادة الجماعية للأرمن، منهية بذلك عقودا طويلة من التردد السياسي والدبلوماسي، في قرار لا يقتصر تأثيره على ملف تاريخي يعود إلى أكثر من قرن، بل يفتح فصلا جديدا من المواجهة المتصاعدة بين تل أبيب وأنقرة.

ووصف بيان وزارة خارجية الاحتلال القرار بأنه "تاريخي"، بعدما وافق مجلس الوزراء بالإجماع على مقترح تقدم به وزير الخارجية جدعون ساعر يقضي بالاعتراف بالمجازر التي تعرض لها الأرمن على يد الدولة العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى باعتبارها إبادة جماعية. ولا يزال القرار بحاجة إلى مصادقة الكنيست حتى يصبح جزءا من السياسة الرسمية للدولة.

من الصمت إلى الاعتراف.. لماذا تغير الموقف الآن؟

وطوال عقود، تجنبت الحكومات الإسرائيلية استخدام مصطلح "الإبادة الجماعية" عند الحديث عن أحداث عام 1915، رغم الضغوط التي مارستها منظمات يهودية وأرمنية وأوساط أكاديمية داخل إسرائيل.

وكانت الحسابات الجيوسياسية هي العامل الحاسم. فقد فضلت الحكومات المتعاقبة الحفاظ على علاقاتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية مع تركيا، التي كانت تمثل لسنوات أحد أهم شركاء إسرائيل في المنطقة، كما أخذت في الاعتبار أهمية العلاقات الاستراتيجية مع أذربيجان، الحليف الأقرب لأنقرة والمنافس التقليدي لأرمينيا.

لكن هذه المعادلة تغيرت بصورة جذرية خلال الأعوام الأخيرة، مع انهيار العلاقات السياسية بين إسرائيل وتركيا، وتصاعد الخلافات حول الحرب في غزة، والاتهامات المتبادلة في المحافل الدولية، ما جعل الاعتبارات السياسية القديمة تفقد كثيرا من وزنها.

رسالة إلى أنقرة أكثر منها إلى يريفان

ويرى محللون أن توقيت القرار ليس مصادفة، بل يحمل رسالة سياسية مباشرة إلى تركيا أكثر مما يمثل تضامنا تاريخيا مع الأرمن. فالعلاقات بين البلدين وصلت إلى واحدة من أسوأ مراحلها، بعدما تبادل الطرفان الاتهامات بشكل متكرر، واتخذ كل منهما سلسلة من الإجراءات الدبلوماسية والتجارية ضد الآخر.

وفي هذا السياق، يبدو أن إسرائيل قررت استخدام واحدة من أكثر القضايا حساسية بالنسبة لأنقرة، وهي قضية الإبادة الأرمنية، كورقة ضغط سياسية في مواجهة القيادة التركية.

أردوغان يصعد لهجته

جاء القرار بعد أيام قليلة من هجوم شنه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على إسرائيل، متهما إياها باستهدافه سياسيا، ومعتبرا أن "الصهيونية" تشكل تهديدا للشعب التركي بأكمله، وليس فقط للحكومة أو لحزب العدالة والتنمية.

وتتمسك أنقرة منذ عقود برفض وصف أحداث عام 1915 بأنها إبادة جماعية، مؤكدة أن ما جرى وقع في ظروف حرب أهلية وصراع شامل شهد سقوط ضحايا من مختلف المجموعات السكانية، بينما تعتبر استخدام مصطلح "الإبادة" تشويها للتاريخ وتسييسا لملف تاريخي معقد.

تداعيات تتجاوز تركيا

ولا تتوقف تداعيات القرار عند العلاقات الإسرائيلية التركية فقط، إذ قد تمتد إلى شبكة التحالفات الإقليمية التي بنتها إسرائيل خلال السنوات الماضية. فأذربيجان، التي ترتبط بتحالف وثيق مع تركيا، تعد في الوقت نفسه شريكا استراتيجيا مهما لإسرائيل في مجالات الدفاع والطاقة والاستخبارات، وهو ما قد يضع تل أبيب أمام معادلة دقيقة للحفاظ على هذا التعاون دون الإضرار بعلاقاتها مع باكو.

كما يخشى بعض المسؤولين ورجال الأعمال الإسرائيليين من أن تلجأ تركيا إلى إجراءات انتقامية، تشمل خفض مستوى العلاقات الدبلوماسية بصورة أكبر، أو تعليق ما تبقى من التبادل التجاري، أو فرض قيود جديدة على حركة الطيران، أو تكثيف تحركاتها ضد إسرائيل داخل المنظمات الدولية.

بين الأخلاق والسياسة

في المقابل، يرى مؤيدو القرار داخل إسرائيل أن الدولة تأخرت كثيرا في الاعتراف بما يعتبره عدد كبير من المؤرخين أول إبادة جماعية في القرن العشرين، وأن الاعتبارات الأخلاقية يجب ألا تبقى رهينة للحسابات السياسية أو الضغوط الخارجية.

ويؤكد هؤلاء أن استمرار تجاهل القضية كان يتناقض مع الخطاب الإسرائيلي الذي يدعو إلى عدم إنكار الجرائم التاريخية، معتبرين أن الاعتراف يمثل تصحيحا لموقف طال انتظاره.

نقطة اللاعودة

من المنتظر أن يخضع القرار لنقاش حاد داخل الكنيست قبل التصويت النهائي عليه، لكن مجرد إقراره في مجلس الوزراء يكشف حجم التحول الذي طرأ على السياسة الخارجية الإسرائيلية.

فبعد سنوات طويلة كانت خلالها تل أبيب تتجنب الاصطدام بأنقرة في هذا الملف تحديدا، اختارت اليوم كسر أحد أكبر المحظورات الدبلوماسية. وإذا أصبح القرار نافذا، فقد لا يكون مجرد اعتراف بحدث تاريخي، بل بداية مرحلة جديدة من الصراع السياسي مع تركيا، عنوانها استخدام ملفات التاريخ كسلاح في معارك الجغرافيا السياسية.