تحولات كبرى.. أسرار الطقوس الجنائزية في العصور المصرية القديمة
في دلتا النيل، حيث تلتقي الأرض بالذاكرة الإنسانية والهوية، كشفت بعثة أثرية مصرية عن أحد أغنى المواقع الجنائزية في تاريخ مصر اليونانية الرومانية، ليس لما تضمنه من مقتنيات يتوقف أمامها العقل بالتأمل، بل لما أظهره من تحولات متتالية في أساليب الدفن امتدت على مدى ستة قرون متواصلة؛ مرحلة بأكملها من تاريخ حضارة عظيمة كانت تُعيد صياغة علاقتها بالموت والحياة الأخرى، كما جاء بتقرير شبكة سي إن بي سي نيوز.
تل كوم عزيزة: مستوطنة تحولت إلى مقبرة
أعلن علماء الآثار المصريون عن اكتشاف رفات بشرية وكميات وفيرة من المقتنيات في جزء من مقبرة يونانية رومانية يعود تاريخها إلى أكثر من 2300 عام، كاشفةً عن تطور الممارسات الجنائزية على مدى ستة قرون تقريبًا، وتقع المقابر المكتشفة في موقع تل كوم عزيزة بمحافظة البحيرة شمال الدلتا، على مقربة من ساحل البحر المتوسط، وتمتد زمنيًا بين عامي 332 قبل الميلاد و395 ميلاديًا — أي من الفتح الإسكندري حتى نهاية العصر الروماني.
سلطت الشبكة الإخبارية الأمريكية الضوء على تصريحات نيفين الأعرف، المستشارة الإعلامية لوزير السياحة والآثار التي قالت: "هذا اكتشاف بالغ الأهمية لأنه يسلط الضوء ويكشف مزيدًا من التفاصيل حول الموقع. إنه مثال فريد يظهر تحول مركز استيطاني إلى مقبرة كبرى امتدت عبر حقب تاريخية مختلفة."
ستة قرون من التنوع الجنائزي
وأضاف أن ما يجعل تل كوم عزيزة استثنائيًا في سجل الاكتشافات الأثرية هو التنوع الصارخ في أساليب الدفن؛ إذ كشفت الحفريات عن ممارسات جنائزية تتراوح بين الدفن المباشر في حفر بسيطة، والقبور المبطّنة بالطوب اللبني، والتوابيت المصنوعة من الجبس المطلي.
وبحسب الدكتور هشام اللَّيثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، شملت الدفنات أفرادًا ومجموعات، مع تباين واضح في اتجاهات الدفن بين محور الشمال-الجنوب ومحور الشرق-الغرب.
ولم يقتصر التنوع على الأساليب والاتجاهات، بل امتد إلى تفاصيل أكثر إنسانية؛ إذ تباينت أوضاع يدَي المدفونين تباينًا لافتًا: بعضهم طُوي على وضع الحوض، وبعضهم اعتمد "وضع الأوزيري" بذراعين متقاطعتين على الصدر، والبعض الآخر كانت ذراعاه ممدودتين بمحاذاة الجانبين. وقال خالد عبد الغني فرحات، رئيس البعثة: "يمكن تفسير هذا التنوع بعدة طرق: فقد يعكس اختلافات اجتماعية بين المدفونين، أو تباينًا في الممارسات الطقسية، أو تطورًا محدودًا داخل التقليد الجنائزي ذاته."
الخنازير البرية ولغز الإله ست
من أبرز المكتشفات التي أثارت دهشة علماء الآثار العثورُ على هياكل عظمية كاملة لخنزيرين بريين — وهو اكتشاف نادر في المواقع الجنائزية المصرية القديمة. والخنزير البري في الميثولوجيا المصرية القديمة كان يرمز إلى الإله "ست"، إله الفوضى والعنف والعواصف، وكثيرًا ما كان يُجسَّد في شكل خنزير في الملاحم الدينية الكبرى.
وأوضح محمد عبد البديع، رئيس قطاع الآثار المصرية: "رغم أنه لا يمكن الجزم حتى الآن بما إذا كانت هذه البقايا تُمثّل دفنًا حيوانيًا متعمدًا أم بقايا نشاط منزلي واقتصادي أم عنصرًا ذا دلالة طقسية، فإن وجودها في هذا السياق يستلزم ربط الأدلة الأثرية المباشرة بالأهمية الثقافية والدينية للخنزير البري في مصر القديمة."
فخار يروي آلاف السنين
لم تقتصر الاكتشافات على الرفات البشرية والحيوانية؛ إذ عثر أيضًا على شظايا فخارية تمتد زمنيًا من عصر الدولة القديمة المصرية — حقبة بناء الأهرامات الكبرى بين عامَي 2686 و2181 قبل الميلاد — حتى الحقبة اليونانية الرومانية التي أعقبتها بنحو 2000 عام. وتشمل هذه المقتنيات الأمفورا وأواني الدفن وقوالب الخبز وأطباق الطهي، وهي في مجملها أدوات منزلية يومية تُشير إلى استخدام متواصل ومتكرر للموقع على مدى آلاف السنين.
الحفريات مستمرة والأسرار لم تكتشف كلها بعد
يقع تل كوم عزيزة في قلب المنطقة التي شهدت أعمق لحظات التلاقي الحضاري في العالم القديم؛ إذ اختلطت في الدلتا ثلاث حضارات عظيمة: الفرعونية والإغريقية والرومانية. وتُلقي هذه التحولات الجنائزية ضوءًا على مسألة عميقة في تاريخ المنطقة: كيف تتغير طقوس الموت تبعًا لتغير الهوية الدينية والسياسية؟ فالحقبة الممتدة من الفتح الإسكندري حتى نهاية العصر الروماني شهدت مصر تحولات دينية وفلسفية جذرية، من المعابد الفرعونية إلى انتشار المسيحية — وكل تحول كان يُعيد صياغة مفهوم الجسد والدفن والبعث.
واختمت نيفين الأعرف بالإشارة إلى أن "العمل الأثري في الموقع لا يزال جاريًا للكشف عن المزيد من أسراره، وفهم تاريخ المكان وتطوره عبر الزمن، وتجميع أجزاء اللغز لفك شفرات النشاط البشري في المنطقة."