التضخم يقلب توقعات خفض الفائدة في أمريكا.. ولاجارد تهدئ مخاوف الركود الأوروبي
في مشهد يعكس عمق التداعيات الاقتصادية للحرب في الشرق الأوسط على الاقتصاد العالمي، أعادت بيانات التضخم المتصاعدة رسم توقعات الأسواق المالية على جانبي الأطلسي، فبينما انقلبت التوقعات في الولايات المتحدة من ترقب خفض أسعار الفائدة إلى احتمال رفعها مجددًا، سعت رئيسة البنك المركزي الأوروبي إلى تهدئة المخاوف المتزايدة من ركود اقتصادي في منطقة اليورو، في ظل بيئة دولية تزداد تعقيدًا مع استمرار التوترات المرتبطة بمضيق هرمز، وفقًا لوكالة بلومبرج.
ماذا تقول الأرقام؟
قبل أن تصدر البنوك المركزية قراراتها، كانت بيانات التضخم قد حسمت جانبًا كبيرًا من الجدل بشأن السياسة النقدية، فقد أعلن مكتب إحصاءات العمل الأمريكي في 10 يونيو ارتفاع مؤشر أسعار المستهلكين بنسبة 0.5% على أساس شهري خلال مايو، ليصل معدل التضخم السنوي إلى 4.2%، وهو أعلى مستوى منذ أبريل 2023، ويمثل الارتفاع الشهري الثالث على التوالي.
وتسارعت وتيرة التضخم خلال الأشهر الأخيرة؛ إذ سجل 3.3% في مارس، ثم 3.8% في أبريل، قبل أن يقفز إلى 4.2% في مايو. وكان المحرك الرئيسي لهذه الزيادة هو أسعار الطاقة، التي ارتفعت بنسبة 23.5% على أساس سنوي، وأسهمت بأكثر من 60% من الزيادة الشهرية في المؤشر العام، كما ارتفعت أسعار البنزين بنسبة 40.5% مقارنة بيناير، بينما قفزت أسعار زيت الوقود بنسبة 58.9%.
في المقابل، حملت البيانات بعض المؤشرات الإيجابية؛ إذ بلغ معدل التضخم الأساسي، الذي يستبعد الغذاء والطاقة، 2.9% سنويًا و0.2% شهريًا، وهو أقل من التوقعات، ويشير ذلك إلى أن موجة ارتفاع أسعار الطاقة لم تنتقل بعد بصورة واسعة إلى بقية قطاعات الاقتصاد.
كما تراجعت أسعار السلع الأساسية بنسبة 0.1%، وانخفضت أسعار السيارات الجديدة بنسبة 0.3%، ما يعكس تراجع تأثير الضغوط المرتبطة بالرسوم الجمركية.
وارش يعلن "تحولًا مؤسسيًا" في أول اجتماع له
في أول اجتماع له على رأس مجلس الاحتياطي الفيدرالي خلفًا لجيروم باول، قرر كيفن وارش في 17 يونيو تثبيت أسعار الفائدة عند نطاق 3.50% – 3.75%، في خطوة كانت متوقعة على نطاق واسع. إلا أن الأنظار اتجهت إلى لهجة البنك الأكثر تشددًا، وإلى الإشارات التي أبقت الباب مفتوحًا أمام رفع الفائدة خلال الأشهر المقبلة.
وكشفت التوقعات الصادرة عن أعضاء لجنة السياسة النقدية عن تحول ملحوظ؛ إذ رجّح تسعة أعضاء رفع الفائدة مرة واحدة على الأقل خلال 2026، بينما توقع ثمانية آخرون الإبقاء عليها دون تغيير.
كما تخلت اللجنة بالكامل عن توقعاتها السابقة بخفض الفائدة خلال العام الحالي، وأرجأت أي تخفيضات محتملة إلى عامي 2027 و2028.
ورفع الفيدرالي توقعاته للتضخم إلى 3.6% للتضخم العام و3.3% للتضخم الأساسي خلال 2026، مقارنة بتوقعات مارس التي كانت عند 2.7% و2.5% على التوالي.
كما أعلن وارش تشكيل خمس فرق عمل لإعادة هيكلة عمليات البنك المركزي، ورفض تقديم توقعاته الشخصية ضمن ما يعرف بـ"النقاط الإرشادية"، معتبرًا أن هذه الأداة لا تساعد في إدارة السياسة النقدية بصورة فعالة. وأكد أنه يعتزم مراجعة شاملة لأساليب التواصل الخاصة بالفيدرالي قبل نهاية العام.
وفي توضيح لرؤيته الاقتصادية، قال وارش إن التضخم الناتج عن صدمات العرض، مثل ارتفاع أسعار الطاقة، لا يستدعي بالضرورة تشديدًا نقديًا قويًا، مشيرًا إلى أن التطورات في مجال الذكاء الاصطناعي قد تسهم مستقبلًا في رفع الإنتاجية وخفض الضغوط التضخمية، ومع ذلك، بدت أغلبية أعضاء اللجنة أكثر ميلًا إلى التشدد، ما يجعل القرارات المقبلة مرتبطة بالبيانات الاقتصادية القادمة.
معضلة الفيدرالي: تضخم مرتفع ونمو أبطأ
يواجه وارش تحديًا معقدًا؛ فالتضخم لا يزال عند مستويات مرتفعة تبلغ 4.2%، بينما ارتفع معدل البطالة إلى 4.3% وتباطأ نمو الأجور نسبيًا، بالتزامن مع خفض توقعات النمو الاقتصادي.
وكان الاحتياطي الفيدرالي يتوقع في بداية العام خفض أسعار الفائدة خلال 2026، لكن ارتفاع أسعار النفط من نحو 57 دولارًا للبرميل في يناير إلى 113 دولارًا في أبريل، قبل تراجعها إلى 76 دولارًا مع تحسن الأوضاع في مضيق هرمز، غيّر حسابات السياسة النقدية بصورة كبيرة.
وترى مؤسسة "إرنست آند يونغ" أن التضخم قد يظل فوق مستوى 4% خلال يونيو أيضًا، مع احتمال حدوث تراجع محدود إذا استمرت أسعار الطاقة في الانخفاض.
المركزي الأوروبي: رفع للفائدة ورسائل طمأنة للأسواق
في المقابل، رفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في 11 يونيو، لترتفع فائدة الودائع إلى 2.25%، مستندًا إلى تجاوز معدل التضخم في منطقة اليورو مستوى 3% بفعل ارتفاع تكاليف الطاقة.
كما خفض البنك توقعاته لنمو اقتصاد منطقة اليورو إلى 0.8% خلال 2026، مؤكدًا أن التضخم سيبلغ 3% هذا العام قبل أن يتراجع إلى 2.3% في 2027 و2% في 2028.
وجاءت هذه التوقعات بعد تسجيل اقتصاد الاتحاد الأوروبي انكماشًا طفيفًا بنسبة 0.2% خلال الربع الأول من عام 2026، ما أثار مخاوف من دخول المنطقة في مرحلة ركود تضخمي.
لكن رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاجارد، حرصت على تهدئة هذه المخاوف، مؤكدة أن صدمة التضخم الحالية "كبيرة لكنها ليست مستمرة بالقدر الذي يغير توقعات التضخم طويلة الأجل أو يخلق دوامة تضخمية خطيرة".
ورفضت لاجارد مقارنة الوضع الحالي بأزمة السبعينيات، قائلة إن النمو المتوقع عند 0.9% ثم 1.3% ثم 1.4% لا يبرر وصف الوضع بالركود، بل يعكس تباطؤًا اقتصاديًا يمكن التعامل معه.
وأضافت أن الاقتصاد الأوروبي يستفيد حاليًا من سوق عمل أكثر قوة، وأوضاع مالية أفضل للأسر، واستثمارات متواصلة في تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وأوضحت أن البنك المركزي الأوروبي يعمل وفق ثلاثة سيناريوهات محتملة للأوضاع الاقتصادية، مشيرة إلى أن المنطقة تقع حاليًا ضمن السيناريو المتوسط، الذي يتطلب الحذر دون اللجوء إلى تشديد نقدي مفرط، كما أكدت أن البنك لا يلتزم مسبقًا بمسار محدد للفائدة، رغم أن الأسواق تتوقع احتمال رفع إضافي قبل نهاية العام.
هرمز.. العامل المشترك في السياسة النقدية العالمية
يتفق الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والبنك المركزي الأوروبي على أن أسعار الطاقة المرتبطة بالتوترات في الشرق الأوسط ومضيق هرمز تمثل العامل الرئيسي وراء موجة التضخم الحالية.
ومع توقيع مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية وظهور مؤشرات على تحسن حركة الملاحة في المضيق، بدأت أسعار النفط تتراجع من مستوياتها القياسية، غير أن الأسابيع المقبلة ستظل حاسمة في تحديد ما إذا كان هذا الانخفاض يمثل بداية مسار مستدام نحو استقرار الأسعار، أم مجرد هدنة مؤقتة في دورة تضخمية لا تزال أعلى من المستويات المستهدفة في الاقتصادات الكبرى.