شراكة مصرية هولندية لتعزيز الزراعة المستدامة وترشيد المياه
في مواجهة أزمة ندرة المياه وتحديات التصحر، برز التعاون بين مصر وهولندا كنموذج عملي يجمع بين التجربة الميدانية المصرية العريقة والخبرة الهولندية المتقدمة في إدارة المياه والزراعة المستدامة، هذا التعاون لا يقتصر على تبادل المعرفة النظرية، بل يترجم إلى حلول ملموسة في الحقول المصرية، حيث تتلاقى التكنولوجيا الحديثة مع الممارسات المحلية لتقديم استراتيجيات متكاملة لمكافحة الملوحة وتحسين كفاءة استخدام المياه، وفقًا لدراسة أجرتها جامعة فاخينينجن ونشرها موقع وزارة الزراعة الهولندية.
إدارة المياه والملوحة.. معادلة دقيقة
يشير الباحث أنخيل دي ميغيل غارسيا من جامعة فاخينينجن إلى أن إدارة المياه في مصر لا يمكن فصلها عن إدارة الملوحة، فقلة الأمطار تجعل من أنظمة الري والصرف أداة أساسية للحفاظ على صحة التربة ومنع تراكم الأملاح.
ويؤكد أن تقنيات الري الحديثة مثل الري بالتنقيط يمكن أن تقلل استهلاك المياه وتزيد الإنتاجية، لكنها قد تؤدي إلى تراكم الأملاح في منطقة الجذور إذا لم تُصمَّم بعناية، لذلك يقترح أن تتضمن الاستراتيجيات الزراعية عنصر “الغسل الدوري” للتربة، حتى وإن قلل ذلك من كفاءة الري على المدى القصير، لأنه يحافظ على الإنتاجية على المدى الطويل.
التربة الصحية خط الدفاع الأول
من جانبه، يرى روجيه فان أوبستال، الخبير في شركة نكتيرا، أن الحل يبدأ من التربة نفسها، فالتربة الصحية تحتفظ بالمياه بشكل أفضل وتجعلها أكثر كفاءة للنباتات، مما يقلل الحاجة إلى الري ويخفف الضغط على الموارد المائية.
ويؤكد أن الزراعة التجديدية، التي تعتمد على التنوع الحيوي والعمليات الطبيعية، تجعل النظام الزراعي أكثر قدرة على مواجهة الملوحة والجفاف، ويضيف أن الاعتماد على محاصيل مقاومة للملوحة قد يكون حلًا مؤقتًا، لكنه لا يعالج جذور المشكلة، فضلًا عن كلفته العالية التي لا يستطيع كثير من المزارعين تحملها.
الملوحة.. تحديات على مستوى الحقول
يتفق الخبراء على أن الملوحة ليست مجرد مشكلة تقنية في الحقول، بل هي نتيجة لتفاعل معقد بين المياه والتربة والمحاصيل والاقتصاد، فكل منطقة لها خلفيتها الخاصة في الملوحة، سواء كانت الأملاح موجودة في الصخور أو في طبقات التربة، لذلك يتطلب الحل إجراءات على مستوى أوسع تشمل تصميم المناظر الطبيعية واختيار المحاصيل المناسبة لكل منطقة.
كما يشدد الباحثون على أهمية البيانات والقياسات الميدانية والنماذج الجغرافية لفهم تطور الملوحة عبر الزمن واتخاذ قرارات أكثر دقة.
من المعرفة إلى الممارسة
لكن التحدي الأكبر لا يكمن في جمع المعرفة الجديدة، بل في تحويلها إلى حلول قابلة للتطبيق في مواقع محددة، فالمزارعون غالبًا ما يركزون على المحصول الحالي أو القادم، بينما تظهر آثار الاستخدام المفرط للمياه بعد سنوات.
كما أن المياه في مصر تُسعَّر فقط من خلال تكلفة الضخ، وليس من خلال سعرها الحقيقي، مما يقلل الحافز على ترشيد استخدامها، لذلك يرى الخبراء أن الحل يتطلب أيضًا حوافز اقتصادية جديدة، مثل تسعير المياه بشكل عادل، ومنح المزارعين الذين يطبقون ممارسات زراعية أكثر استدامة سعرًا أفضل لمحاصيلهم.
حلول بسيطة بدلًا من التكنولوجيا المكلفة
يشدد الخبراء على أن كثيرًا من الحلول لا تحتاج إلى تقنيات باهظة الثمن، بل تبدأ من الممارسات الزراعية نفسها: تقليل اضطراب التربة، تدوير المحاصيل، استخدام محاصيل تغطية، تحسين بنية التربة، وزيادة المادة العضوية والتنوع الحيوي.
فالتنوع الزراعي لا يحسن كفاءة استخدام المياه فحسب، بل يزيد أيضًا من دخل المزارعين ويجعل النظام الزراعي أكثر قدرة على مواجهة الأمراض والآفات وتقلبات السوق.
السياسات الوطنية والنهج المتكامل
تمتلك مصر بالفعل خططًا طموحة مثل “خطة الموارد المائية الوطنية 2037” و“استراتيجية التنمية الزراعية المستدامة 2030”، لكن التحدي يكمن في دمج إدارة الملوحة بشكل منهجي في هذه السياسات، بحيث تصبح جزءًا من كل استثمار في تحديث الري أو إعادة استخدام المياه أو التوسع الزراعي.
وتمثل المبادرات المشتركة مثل برنامج “دي إتش آي” الهولندي، الذي يجمع بين الممارسات التجديدية والأسمدة العضوية، مثالًا عمليًا على كيفية تحويل المعرفة إلى مشاريع قابلة للتنفيذ تجاريًا وبيئيًا.
وأشارت الجامعة الهولندية إلى أن الجمع بين الخبرة الميدانية المصرية والمعرفة الهولندية المتقدمة يقدم نموذجًا عمليًا لكيفية تحويل أزمة ندرة المياه إلى فرص ابتكار وحلول زراعية متكاملة، هذا التعاون لا يقتصر على البحث العلمي، بل يترجم إلى ممارسات زراعية واقعية، ويضع أسسًا لشراكة طويلة الأمد تساهم في تعزيز الأمن الغذائي، وتحسين سبل العيش الريفية، ومواجهة التحديات المناخية التي تهدد مستقبل الزراعة في مصر.