خالد الجندي: «في العبادات نسلم دون جدل.. والعلوم المادية تقوم على الشك والبحث»
أكد الشيخ خالد الجندي، عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، أن العبادات في الإسلام تقوم على مبدأ التسليم الكامل لأوامر الله سبحانه وتعالى، سواء أدرك الإنسان الحكمة من هذه الأوامر أم لم يدركها، مشددًا على أن جوهر الإيمان الحقيقي يتمثل في الامتثال والطاعة دون اشتراط معرفة الأسباب أو البحث عن المبررات قبل التنفيذ.
مفهوم التسليم في العبادات
وأوضح خالد الجندي، خلال حلقة خاصة بعنوان "حوار الأجيال" في برنامج "لعلهم يفقهون" المذاع عبر قناة dmc، أن العلاقة بين العبد وربه تقوم على الثقة المطلقة في حكمة الله وعدله وعلمه، وهو ما يجعل المؤمن يستجيب للتكاليف الشرعية باعتبارها أوامر إلهية واجبة التنفيذ، وأن كثيرًا من الناس يخلطون بين مجال العبادات ومجال العلوم المادية، فيتعاملون مع الأحكام الشرعية بنفس طريقة تعاملهم مع الظواهر العلمية، وهو أمر يحتاج إلى تصحيح وفهم أعمق لطبيعة كل مجال.
وشدد عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، على أن الله سبحانه وتعالى قد يبين للإنسان الحكمة من بعض العبادات والأحكام، وقد لا يبينها، وفي الحالتين يظل الواجب هو الامتثال والطاعة، وأن المؤمن لا يربط تنفيذ الأوامر الشرعية بإدراك الحكمة الكاملة منها، لأن علم الإنسان محدود بينما علم الله مطلق وشامل لكل شيء.
الطاعة قبل معرفة الحكمة
واستشهد الداعية الإسلامي، بقول الله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾، مؤكدًا أن هذه الآية تضع قاعدة واضحة في فهم العلاقة بين الخالق والمخلوق، حيث إن الإنسان مأمور بالطاعة والامتثال، بينما تبقى حكمة الله فوق إدراك البشر الكامل، وأن التسليم لا يعني إلغاء العقل أو إهمال التفكير، وإنما يعني الاعتراف بأن هناك أمورًا تتجاوز حدود المعرفة البشرية وتحتاج إلى الثقة في الحكمة الإلهية.
وأوضح الداعية الإسلامي، أن هناك فرقًا جوهريًا بين علوم الدين وعلوم الموجودات أو العلوم المادية.
وأشار إلى أن العلوم التجريبية تقوم على البحث والملاحظة والتجربة والاختبار، حيث يبدأ الباحث بفرضية ثم يعمل على التحقق منها للوصول إلى نتائج علمية دقيقة، وأن هذا المنهج العلمي ضروري ومطلوب في دراسة الظواهر الطبيعية والعلوم التطبيقية، لأن هذه المجالات لا يمكن تطويرها إلا من خلال البحث المستمر والتجربة والتحليل.
الفرق بين الدين والعلم
وأضاف الداعية الإسلامي، أن العلم المادي بطبيعته يعتمد على التساؤل والاختبار وإعادة التقييم، وهو ما يختلف تمامًا عن مجال العبادات الذي يقوم على الامتثال لأوامر الله باعتبارها حقائق ثابتة لا تتغير، متناولامفهوم "الاتباع" في الإسلام، موضحًا أنه يعني السير على نهج النبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء به دون اشتراط معرفة جميع تفاصيل الحكمة من كل فعل أو أمر.
وأكد الداعية الإسلامي، أن الاتباع ليس مجرد اقتناع عقلي، بل هو تعبير عن الإيمان والمحبة والثقة في الله ورسوله، وأن الإنسان في كثير من شؤون حياته ينفذ أمورًا بناءً على ثقته في أشخاص أو جهات معينة دون أن يعرف كل التفاصيل، فكيف إذا كان الأمر متعلقًا بالله سبحانه وتعالى ورسوله الكريم.
معنى الاتباع الحقيقي
وأشار الداعية الإسلامي، إلى أن مفهوم الاتباع يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالإيمان، لأن المؤمن يدرك أن الله لا يأمر إلا بما فيه الخير والصلاح للإنسان، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾، موضحًا أن الآية الكريمة تربط بين محبة الله واتباع النبي صلى الله عليه وسلم.
وأكد الداعية الإسلامي، أن الاتباع في هذه الحالة لا يقوم على مجرد فهم الحكمة أو إدراك التفاصيل، وإنما ينبع من الإيمان والمحبة والثقة في المنهج الإلهي.ط، وأن المؤمن حين يلتزم بالأوامر الشرعية فإنه يفعل ذلك لأنه يؤمن بأن الله يريد له الخير والهداية، وليس لأنه استطاع فهم كل الجزئيات المتعلقة بالحكم الشرعي.
محبة الله أساس الطاعة
وأشار الداعية الإسلامي، إلى أن هذه الثقة تمثل أساس العلاقة بين الإنسان وربه، وتمنحه الطمأنينة والاستقرار في مواجهة تساؤلات الحياة المختلفة، وأن القرآن الكريم يفرق بوضوح بين منهج التسليم ومنهج الجدل العقيم، مؤكدًا أن التسليم يعد من صفات المؤمنين الصادقين.
وأشار الداعية الإسلامي، إلى أن بعض الناس يبالغون في طرح الأسئلة والاعتراضات قبل تنفيذ الأوامر، بينما يدعو الإسلام إلى المبادرة بالطاعة ثم التفكر والتدبر بعد ذلك، وأن التسليم لا يعني منع السؤال المشروع أو طلب الفهم، لكنه يعني عدم جعل الفهم شرطًا مسبقًا للطاعة.
التسليم والجدل
وأكد الداعية الإسلامي، أن المؤمن الحق ينطلق من قاعدة السمع والطاعة لله ورسوله، ثم يسعى بعد ذلك إلى التعرف على الحكم والمقاصد الشرعية كلما أمكن ذلك، مستشهدًا بقصة تحويل القبلة التي وردت في القرآن الكريم باعتبارها نموذجًا واضحًا للتفرقة بين أهل التسليم وأهل الجدل.
وأوضح الداعية الإسلامي، أن بعض الناس اعترضوا على تحويل القبلة وأثاروا التساؤلات والاعتراضات، بينما استجاب المؤمنون للأمر الإلهي فورًا دون تردد، مشيرًا إلى قول الله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾، موضحًا أن الآية الكريمة تكشف الفرق بين من يسلم لأمر الله ومن يظل منشغلًا بالاعتراضات والجدل.
تحويل القبلة نموذجًا
وأكد الداعية الإسلامي، أن القرآن الكريم يقدم منهجًا واضحًا يقوم على الطاعة والثقة في الله، مع فتح المجال للتدبر والتفكر دون أن يتحول ذلك إلى وسيلة لتعطيل الامتثال للأوامر الشرعية، مشددًا على أهمية تحقيق التوازن بين استخدام العقل في مجالاته الصحيحة، وبين التسليم لله في أمور العبادة والتكليف الشرعي.
واختتم الشيخ خالد الجندي، بالتأكيد على أن الدين لا يتعارض مع التفكير والعلم، لكنه يضع لكل مجال قواعده الخاصة، فكما أن العلوم التجريبية تحتاج إلى البحث والتجربة، فإن العبادات تحتاج إلى الإيمان والطاعة والتسليم، داعيًا إلى ترسيخ ثقافة الثقة في الله والالتزام بالأوامر الشرعية بعيدًا عن الجدل غير المفيد، مؤكدًا أن هذا المنهج هو الطريق إلى الاستقرار الروحي والفهم الصحيح للدين، وأن المؤمن الحقيقي يدرك أن الطاعة لله هي أساس النجاة والفلاح في الدنيا والآخرة.