< هل يتغيب ترامب عن توقيع اتفاق السلام مع إيران في سويسرا؟
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

هل يتغيب ترامب عن توقيع اتفاق السلام مع إيران في سويسرا؟

أمريكا وإيران
أمريكا وإيران

في تقاليد السياسة الأمريكية، اعتاد الرؤساء أن يحتكروا لحظات النصر الكبرى. فعندما توقع اتفاقيات السلام، أو تعلن نهاية الحروب، أو تسجل الاختراقات الدبلوماسية التاريخية، يكون الرئيس عادة في قلب الصورة، محاطًا بالأعلام والكاميرات والعدسات التي توثق اللحظة. لكن المشهد في هذه المرة يبدو مختلفًا.

فبينما تستعد الولايات المتحدة وإيران لتوقيع اتفاق رسمي في جنيف يضع حدًا لأشهر من التوتر العسكري والاقتصادي، يبرز اسم نائب الرئيس جيه دي فانس بوصفه الشخصية الأمريكية الأكثر حضورًا في هذا الملف، في وقت يرسل فيه الرئيس دونالد ترامب إشارات متناقضة بشأن مشاركته في مراسم التوقيع.

ويأتي ذلك بعد التوصل إلى اتفاق إطار بين واشنطن وطهران في 14 يونيو، أنهى مواجهة استمرت نحو ثلاثة أشهر ونصف الشهر، وأدت إلى إغلاق مضيق هرمز، أحد أهم الشرايين البحرية لنقل الطاقة في العالم. وخلال تلك الفترة، عاشت أسواق النفط حالة من الاضطراب الحاد، بينما ارتفعت المخاوف من تداعيات اقتصادية أوسع على التجارة العالمية والتضخم والنمو الاقتصادي.

العالم يترقب 19 يونيو

وبحسب ما أُعلن رسميًا، فإن مراسم التوقيع النهائي ستعقد يوم الجمعة، الموافق 19 يونيو الجاري، في سويسرا بعد أسابيع من الوساطات والاتصالات المكثفة التي شاركت فيها أطراف إقليمية ودولية عدة. لكن اللافت أن الاتفاق جرى بالفعل توقيعه رقميًا من جانب القيادتين الأمريكية والإيرانية تمهيدًا لاعتماده رسميًا في جنيف.

وخلال مقابلة تلفزيونية، كشف دي فانس أن الاتفاق تم توقيعه إلكترونيًا بالفعل، مؤكدًا أن مراسم جنيف ستكون بمثابة تثبيت رسمي لما تم التوصل إليه. غير أن الإدارة الأمريكية لم توضح بصورة نهائية شكل الوفد الذي سيمثل واشنطن خلال الحدث، ما فتح الباب أمام التكهنات بشأن الدور الذي سيلعبه نائب الرئيس في هذه المرحلة الحساسة.

في المقابل، بدا ترامب أقل حماسًا للظهور في المشهد الختامي. فمن على هامش اجتماعات دولية في أوروبا، اكتفى بالقول إنه قد يحضر وقد لا يحضر، مضيفًا أن فانس سيكون ممثلًا مناسبًا للولايات المتحدة إذا لم يتمكن من المشاركة شخصيًا.

ورغم أن مثل هذه التصريحات قد تبدو عابرة، فإنها تحمل أبعادًا سياسية مهمة. فالتوقيع على اتفاق بهذا الحجم يمنح فانس فرصة نادرة للانتقال من دور نائب الرئيس إلى دور رجل الدولة الذي يشارك في صناعة حدث دولي مؤثر، وهو ما قد يضيف وزنًا كبيرًا إلى صورته السياسية المستقبلية.

اتفاق نهائي أم تهدئة مؤقتة؟

أما مضمون الاتفاق نفسه، فيعكس مزيجًا من التقدم والتأجيل في آن واحد. فالاتفاق ينص على تثبيت وقف العمليات العسكرية وإعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة التجارية الدولية، إلى جانب تخفيف القيود المفروضة على الموانئ الإيرانية وتمديد التهدئة الحالية لمدة ستين يومًا إضافية.

لكن الملفات الأكثر حساسية لم تحسم بعد. فالقضايا المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، ومستويات تخصيب اليورانيوم، والعقوبات الاقتصادية، والأصول الإيرانية المجمدة في الخارج، كلها أُرجئت إلى جولة مفاوضات جديدة يفترض أن تُجرى خلال فترة الهدنة.

وهذا ما يدفع كثيرًا من المراقبين إلى وصف الاتفاق بأنه ليس نهاية للأزمة بقدر ما هو محاولة لشراء الوقت ومنع انفجارها مجددًا.

مسرح جديد للانقسامات

ويبدو الانقسام أيضًا في ردود الفعل السياسية. ففي حين رحبت بعض الأوساط الاقتصادية بالاتفاق باعتباره خطوة نحو استعادة الاستقرار في أسواق الطاقة العالمية، أبدت أطراف أخرى قدرًا واضحًا من الحذر.

فداخل الولايات المتحدة، طالب عدد من السياسيين بالاطلاع على النص الكامل للاتفاق قبل الحكم عليه، وسط مخاوف من أن تكون واشنطن قد قدمت تنازلات كبيرة مقابل وقف التصعيد. وفي الشرق الأوسط، لم تختفِ الشكوك بدورها، خصوصًا أن العديد من الملفات الأمنية العالقة ما تزال خارج إطار التسوية الحالية.

الأسواق تحتفل

أما الأسواق المالية، فقد سارعت إلى التعبير عن ارتياحها الأولي. فقد تراجعت أسعار النفط بصورة ملحوظة بعد الإعلان عن الاتفاق، مع تراجع المخاوف المرتبطة بإمدادات الطاقة العالمية وإعادة فتح أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم.

لكن الهدوء الحالي قد يكون مؤقتًا. فالستون يومًا المقبلة تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الطرفين على الانتقال من وقف إطلاق النار إلى تسوية سياسية أكثر استدامة. وخلال هذه الفترة، ستعود الملفات الأكثر تعقيدًا إلى طاولة المفاوضات، من البرنامج النووي إلى العقوبات والصواريخ والنفوذ الإقليمي. ولهذا السبب، قد لا تكون جنيف نهاية القصة، بل بدايتها الفعلية.

أما بالنسبة لجيه دي فانس، فإن الاتفاق يمثل أكثر من مجرد نجاح دبلوماسي. إنه فرصة نادرة لبناء سجل سياسي مستقل داخل إدارة يهيمن عليها دونالد ترامب منذ سنوات. وإذا نجحت الهدنة في الصمود وتحولت إلى اتفاق أوسع، فقد يتذكر كثيرون أن الرجل الذي وقف في الواجهة يوم التوقيع لم يكن الرئيس، بل نائبه.