< هل يضع ارتفاع أسعار استيراد الطاقة الجنيه تحت ضغوط جديدة؟
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

هل يضع ارتفاع أسعار استيراد الطاقة الجنيه تحت ضغوط جديدة؟

الرئيس نيوز

شهد الجنيه المصري خلال الأشهر الأربعة الماضية موجة من التراجع التدريجي مقابل الدولار الأمريكي، متخليًا عن ذروته التي سجلها في منتصف فبراير الماضي، والتي كانت الأعلى له خلال عامين. 

ويعود هذا التراجع إلى ثلاثة عوامل رئيسية متزامنة: الارتفاع الحاد في تكاليف استيراد الطاقة، خفض أسعار الفائدة المحلية، ومبيعات المستثمرين الأجانب لأدوات الدين الحكومية.

ووفقًا لتقرير موقع “آرابيان جلف بيزنس إنسايت”، تبقى التوقعات المستقبلية للعملة المصرية محاطة بحالة من عدم اليقين، إذ ترتبط بشكل وثيق بمدى التوصل إلى حل نهائي وشامل للصراع الدائر في المنطقة، والمستمر في إلقاء ظلاله على أسواق المال والوقود.

فاتورة الطاقة المزدوجة وتأثيرها على الحساب الجاري

أدى الارتفاع الملحوظ في أسعار النفط والغاز عالميًا إلى إضعاف توازن حساب المعاملات الجارية في مصر، نتيجة الزيادة الكبيرة في فاتورة استيراد الطاقة التي يتعين سدادها بالدولار الأمريكي. 

وفي هذا الصدد، يوضح نيمرود ميفوراش، استراتيجي الأسواق الناشئة لدى بنك "يو بي إس" (UBS) في لندن، أن اتساع عجز حساب المعاملات الجارية يعني بشكل تلقائي حاجة الدولة إلى تدفقات دولارية أكبر في الحساب المالي لتعويض الفجوة.

وتتجلى ضخامة التحدي في الأرقام الرسمية؛ حيث أعلن رئيس الوزراء المصري في بيان متلفز أن فاتورة الطاقة الشهرية للبلاد قفزت لتصل إلى 2.5 مليار دولار في شهر مارس الماضي، مقارنة بـ 1.2 مليار دولار سابقًا، ما يعني تضاعف الكلفة تقريبًا في فترة وجيزة.

رحلة الجنيه بين ذروة فبراير ومستويات يونيو الجاري

في منتصف فبراير الماضي، كان الجنيه المصري يتداول عند مستوى 47 جنيهًا للدولار الواحد، وهو أفضل سعر له منذ قرار خفض قيمة العملة في مارس 2024، ومنذ ذلك الحين، عكس الدولار اتجاهه ليرتفع بنسبة 11%، ليتداول الجنيه حاليًا عند مستوى 52 جنيهًا للدولار، وإن كان هذا السعر يمثل تحسنًا طفيفًا مقارنة بأدنى مستوى تاريخي سجله في أوائل أبريل الماضي عندما اقترب من 55 جنيهًا للدولار.

ومع هذا التراجع، يلاحظ أن البنك المركزي المصري لم يتدخل عبر استخدام احتياطياته النقدية لدعم العملة، بل جاء الدعم بشكل أساسي عبر البنوك التجارية التي انخفض صافي أصولها من العملات الأجنبية بمقدار 6 مليارات دولار في مارس. 

ويعلق ميفوراش على هذه السياسة قائلًا: "لقد تركت مصر الجنيه يتحرك بمرونة، وهو ما قد يعد سياسة حكيمة؛ فالبنك المركزي المصري لم يرغب في الإفراط في إنفاق احتياطياته النقدية بعد أن نجح في إعادة بنائها بفاعلية كبيرة خلال العامين إلى العامين والنصف الماضيين."

أسعار الفائدة وهجرة الأدوات المالية

تزامن هبوط الجنيه مع خطوة مفاجئة اتخذها البنك المركزي المصري في منتصف فبراير، حين قرر خفض سعر الفائدة القياسي بمقدار 100 نقطة أساس ليصل إلى 19%، وهو أدنى مستوى له منذ ثلاث سنوات.

وجاء هذا الخفض رغم عودة معدلات التضخم إلى الارتفاع؛ فبعد أن هبط التضخم السنوي العام من 38% في سبتمبر 2023 إلى 12% في سبتمبر 2025، عاد ليرتفع مجددًا مسجلًا أعلى مستوى له في ثمانية أشهر عند 15% في مارس الماضي، قبل أن يتراجع تراجعًا طفيفًا بمقدار 0.3 نقطة مئوية في أبريل، هذا المزيج من الفائدة المنخفضة والتضخم المرتفع أدى إلى تقليص “أسعار الفائدة الحقيقية”، مما دفع بعض المستثمرين الأجانب إلى إعادة تقييم مراكزهم الاستثمارية في أذون الخزانة المصرية.

وعلى الرغم من ارتفاع حيازة الأجانب لأذون الخزانة من حيث القيمة المطلقة، فإن حصتهم تراجعت كنسبة مئوية من إجمالي الإصدارات؛ ففي عام 2024 كان الأجانب يمتلكون 50% من إجمالي أذون الخزانة البالغة 3.6 تريليون جنيه (نحو 69 مليار دولار)، بينما انخفضت هذه الحصة في يناير 2026 إلى 43% من إجمالي إصدارات بلغت 5.9 تريليون جنيه.

ويرى وائل زيادة، مؤسس بنك الاستثمار "زيلا كابيتال" في القاهرة، أن مبيعات الأجانب لأذون الخزانة كانت السبب الرئيسي وراء تراجع الجنيه، مثنيًا على موقف البنك المركزي، حيث قال: "لم يتدخل البنك المركزي لدعم الجنيه رغم خروج الأموال الساخنة، وكان هذا هو التصرف الصحيح، إذ سمح للعملة بالانخفاض بدلًا من استنزاف الاحتياطي، والآن يبدو أن الجنيه يمر بمرحلة استقرار نسبي، وبشرط عدم تجدد الصراع الإيراني، من المتوقع أن يستعيد الجنيه بعض قوته مع الوصول إلى نهاية حاسمة للتوترات."

سيناريوهات المستقبل.. مضيق هرمز وتحويلات المغتربين

يتفق المحللون على أن مصير الجنيه في المديين القصير والمتوسط يعتمد على التوصل إلى اتفاق سلام دائم يعيد فتح مضيق هرمز بالكامل. وفي حال تحقق هذا السيناريو، من المتوقع أن تهبط أسعار النفط العالمية إلى أوائل الثمانينات للدولار للبرميل، مما قد يدعم تعافي الجنيه ليتداول في مستويات “أوائل الخمسينات مقابل الدولار”.

ومع ذلك، يرى الخبراء أن العودة السريعة إلى مستويات 47 جنيهًا أمر مستبعد، وفي المقابل، إذا استمر حصار المضيق وتجدد الصراع، فقد يقفز الدولار مجددًا نحو مستوياته السابقة قرب 55 جنيهًا، مما يعني أن الدولار يمتلك فرص صعود أقوى (Asymmetrical Upside) نظرًا لأن استمرار الانسداد قد يرفع أسعار النفط بمقدار 30 إلى 40 دولارًا إضافيًا، وهو ما سيعمق جراح فاتورة الاستيراد المصرية.

ويبرز تحدٍ آخر يتعلق بسلوك الأفراد؛ إذ إن توقعات تراجع الجنيه قد تدفع المصريين العاملين في الخارج إلى إرجاء إرسال تحويلاتهم المالية مؤقتًا بانتظار أسعار صرف أفضل، وهو أمر حرج للغاية، بالنظر إلى أن ميزان المدفوعات المصري يعتمد هيكليًا وبشكل كبير على هذه التحويلات لتأمين السيولة الدولارية المستدامة.