< تفتت الميليشيات العراقية مع انتقال السيطرة من الولي الفقيه إلى الجنرالات
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

تفتت الميليشيات العراقية مع انتقال السيطرة من الولي الفقيه إلى الجنرالات

الميليشيات العراقية
الميليشيات العراقية

نشر موقع المجلس الأطلسي، ومقره واشنطن، تحليلًا لافتًا يتوقع تفتت الميليشيات العراقية الشيعية مع تحول إيران من حكم الولي الفقيه إلى سيطرة الجنرالات، في إشارة إلى زلزال صامت شديد الهدوء يعيد رسم خريطة النفوذ الإيراني في العراق، ويطرح سؤالًا جوهريًا: ماذا يجري لفصائل مسلحة أسست وجودها وشرعيتها على الولاء الديني، حين يتحول الداعم الأكبر من رجل الدين إلى ضابط المؤسسة بحكم الأمر الواقع؟

فقدان البوصلة

وأصبح النظام الإيراني في عهد المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي مختلفًا وظيفيًا وهيكليًا عن نظيره في السبعة والأربعين عامًا الماضية. فقد قام الحكم في نسخته الخمينية الأولى بين 1979 و1989 على أحادية قطبية مطلقة، لا مكان فيها سوى للمرشد الأعلى. ثم جاء علي خامنئي ليحتفظ بزمام القرارين السياسي والاستراتيجي، لكنه أتاح لأجهزة الحرس الثوري نصيبا متناميا من صنع القرار، حتى إن عشرين جنرالًا من الحرس الثوري ترشحوا للرئاسة عام 2021، وباتت المؤسسة العسكرية تسيطر على نحو ثلثي الاقتصاد الإيراني. 

أما اليوم، فالحوكمة الإيرانية في عهد مجتبى باتت تشبه نموذج الجنتوقراطية، أي نظام يديره مجلس من الضباط ويتخذ القرارات الكبرى، مستخدمًا منصب المرشد وقدسيته الدينية غطاءً لقبضته الأمنية واحتكاره قرار الحرب والسلم، في الداخل والخارج.

التحول الجذري يمثل ضربة موجعة لشرعية الميليشيات العراقية من داخلها

وأضاف التحليل أن هذا التحول الجذري يمثل ضربة موجعة لشرعية الميليشيات العراقية من داخلها. فالفصائل التي جعلت من الولاء الديني لمرجعية المرشد هويةً وتعبئةً وتمويلًا، باتت أمام معادلة مختلفة تمامًا: هل تتبع ضابطًا لا فقيهًا؟ هل تقاتل لحسابات جيوسياسية بحتة لا لإحياء الإيمان؟

بذرة التفتت في بغداد

تمتلك إيران نوعين من القوة داخل العراق: القوة الناعمة والقوة الصلبة. وقد سبق وجودُ هاتين القوتين غزوَ 2003، لكنهما تضخمتا تضخمًا هائلًا في أعقابه، إلى الحد الذي وصل معه أكثر من ربع أعضاء مجلس الحكم العراقي الأول الذي شكّله الأمريكيون في يوليو 2003 إلى تلك المناصب بعد إقامة في إيران أو انتساب إلى أحزاب تدعمها طهران. بل إن خمسة من أصل تسعة أعضاء اختيروا لرئاسة المجلس بالتناوب الشهري كانوا قد أقاموا في إيران أو تلقوا دعمها المباشر في مرحلة ما. 

هذا التغلغل هو عبارة عن استراتيجية ممنهجة، نسجتها طهران بصبر لعقود. لكن اللحظة الراهنة تكشف عن هشاشة بنيوية في هذا النموذج: النفوذ المبني على شخص المرشد يتصدع حين يغيب المرشد ذاته، أو حين تحل المؤسسة العسكرية محل عمامة الفقيه.

منذ اندلاع الأعمال العدائية، شنّت الفصائل العراقية هجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ في أرجاء البلاد، استهدفت مواقع دبلوماسية وعسكرية أمريكية، فضلًا عن البنية التحتية للطاقة، ومطاري بغداد وأربيل، وفنادق في كردستان والعاصمة. لكن عملياتها تجري الآن في فراغ قيادي مرجعي، ما يجعلها أقرب إلى التصرف الارتجالي منها إلى الإذعان لإرادة مركزية متماسكة.

العراق على مفترق طرق: بين بغداد والفصائل

مع تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة إلى مستويات غير مسبوقة، يمتلك القادة العراقيون فرصة نادرة لانتهاج سياسة خارجية أكثر استقلالية، تُقدّم الشراكة مع الولايات المتحدة وتُميّز المصالح العراقية عن نظيرتها الإيرانية. 

لكن رئيس الوزراء علي الزيدي سيواجه تحديات جسيمة: ميليشيات تعمل خارج نطاق سلطة الدولة، واقتصاد هش يعتمد على النفط، وجهاز حكومي مترهل، وعلاقات إقليمية ودولية متدهورة، ومنظومة سياسية مفتتة فاسدة. 

وكانت الضربة الأمريكية على مقر أبو حسين الحمداوي، قائد كتائب حزب الله العراقية في حي الكرادة ببغداد في مارس 2026، الأعلى مستوى منذ اغتيال قاسم سليماني عام 2020. وقد فتحت الباب على مرحلة من التصعيد المتبادل بين الولايات المتحدة والفصائل الإيرانية الداعمة لها في العراق.

أزمة هوية عميقة

ما يكشفه تحليل المجلس الأطلسي في جوهره هو أن أزمة الميليشيات العراقية ليست أزمة سلاح أو تمويل، بل هي أزمة هوية وجودية بالمعنى الحرفي للكلمة. فحين تنقطع الخيط الديني الرابط بين المقاتل وما يقاتل من أجله، ويحل محله ضباط يحسبون الربح والخسارة الاستراتيجية، تبدأ الفصائل في التساؤل: لمن ننتمي؟ ومن يمنحنا الشرعية؟

في ضوء ذلك، قد يشهد عام 2026 محاولات من إيران والفصائل الموالية لها للعمل على تعطيل تقدم العراق وتهديد استقراره، في مواجهة مساعي بغداد لتحدي هذه الفصائل وتعزيز شراكاتها مع واشنطن ودول الخليج، فكيف سيبدو العراق حين يكتمل هذا التفتت؟ وهل ستملك بغداد الإرادة والأدوات لملء الفراغ بعد تفتت الميليشيات؟