< جدل في موريتانيا حول مصير تبرعات غزة واتهامات بوجود استغلال يتعلق بجمع وإدارة الأموال
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

جدل في موريتانيا حول مصير تبرعات غزة واتهامات بوجود استغلال يتعلق بجمع وإدارة الأموال

أرشيفية
أرشيفية

منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية الانتقامية ضد غزة، شهدت موريتانيا واحدة من أكبر حملات التضامن الشعبي في العالم العربي، فقد تنافست القبائل ورجال الأعمال والجمعيات والأفراد على جمع الأموال وإرسال المساعدات دعما للفلسطينيين، في مشهد عكس عمق الارتباط الشعبي بالقضية الفلسطينية.

لكن مع مرور الوقت، بدأت أسئلة تفرض نفسها حول أين ذهبت الأموال؟ ومن استلمها؟ وهل وصلت فعلا إلى المدنيين في غزة؟، ووفقًا لصحيفة فويس أوف إمارات، فإن هذه التساؤلات لم تعد مقتصرة على مواقع التواصل الاجتماعي، بل تحولت إلى جدل سياسي وإعلامي وقانوني متصاعد داخل موريتانيا وخارجها، وسط اتهامات بوجود ثغرات كبيرة في الرقابة على التبرعات التي جُمعت باسم الإغاثة والمقاومة.

السفير الفلسطيني يفجر المفاجأة 

أحد أكثر التطورات إثارة للجدل جاء عندما دعا السفير الفلسطيني في نواكشوط بشير أبو حطب إلى مزيد من الشفافية في إدارة التبرعات الموجهة لغزة، مشيرًا إلى أن السفارة الفلسطينية لا تمتلك معلومات كافية حول مصير الأموال التي جُمعت عبر قنوات مختلفة.

وأثارت هذه التصريحات ردود فعل حادة من جهات اعتبرت أن إثارة الملف في هذا التوقيت تمثل تشكيكا في جهود الدعم الشعبي، بينما رأى آخرون أن المطالبة بكشوف مالية وآليات رقابة واضحة تمثل مطلبا طبيعيا في أي حملة إنسانية بهذا الحجم.

وتحول النقاش سريعًا من قضية تضامن إنساني إلى قضية مساءلة مالية، مع تصاعد المطالب بنشر تقارير تدقيق مستقلة توضح مسار الأموال منذ جمعها وحتى وصولها إلى المستفيدين.

اتهامات بمئات الملايين وغياب الأدلة الحاسمة

تداول ناشطون وإعلاميون أرقاما ضخمة بشأن الأموال التي جُمعت لصالح غزة داخل موريتانيا، وصلت في بعض الروايات إلى مئات الملايين من الدولارات، غير أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب وثائق مالية منشورة أو تقارير تدقيق مستقلة تؤكد هذه الأرقام أو تنفيها بشكل قاطع، وهو ما جعل الملف مفتوحا أمام التكهنات والاتهامات المتبادلة.

ويرى المختصون في الحوكمة المالية أن أي حملة تبرعات واسعة النطاق تصبح عرضة للشكوك عندما تغيب عنها البيانات الدورية والإفصاحات المحاسبية الواضحة.

التبرعات تتحول إلى ساحة صراع سياسي

يبدو أن قضية التبرعات الموريتانية لا تنفصل عن نقاش أوسع يدور منذ سنوات حول شبكات جمع التبرعات المرتبطة بالقضية الفلسطينية، ففي مارس 2026 أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية فرض عقوبات على عدد من المؤسسات الخيرية التي قالت إنها استُخدمت كواجهات لتحويل أموال إلى حركة حماس، مؤكدة أن بعض الجهات استغلت العمل الإنساني لإخفاء أنشطة مالية مرتبطة بالتنظيم.

كما أشارت تقارير أمريكية وغربية، على رأسها تقارير وزارة الخزانة الأمريكية، إلى أن حماس اعتمدت خلال السنوات الماضية على شبكات مالية وجمعيات خيرية دولية لجمع الأموال وتحريكها عبر عدة دول، وهو ما جعل ملف التبرعات الخيرية جزءا من المواجهة الدولية المتعلقة بتمويل التنظيمات المسلحة.

حماس تتبرأ من بعض حملات التبرع

المفارقة اللافتة، أن الجدل لم يعد مقتصرًا على خصوم حماس أو الحكومات الغربية، فقد تحدثت تقارير إعلامية أمريكية عن خلافات داخلية مرتبطة بأموال جمعت باسم غزة عبر مؤسسات وشبكات مرتبطة بتيارات إسلامية خارج القطاع، مشيرة إلى أن الحركة أصدرت في وقت سابق بيانات تبرؤ من بعض الجهات التي كانت تجمع الأموال باسم غزة دون تفويض مباشر منها.

وذكرت هذه التقارير أن مؤسسة "وقف الأمة" وشبكات أخرى واجهت اتهامات تتعلق بإدارة أموال ضخمة جُمعت تحت عناوين إنسانية، بينما نفت الجهات المعنية تلك الاتهامات، ومع ذلك، تحولت القضية إلى واحدة من أكثر ملفات التمويل إثارة للجدل داخل الأوساط الإسلامية نفسها.

تركيا وشبكات التمويل العابرة للحدود

وتشير دراسات وتقارير غربية متخصصة في تمويل الجماعات المسلحة إلى أن تركيا تحولت خلال السنوات الماضية إلى إحدى أهم الساحات التي تعمل فيها شبكات جمع الأموال المرتبطة بحماس أو المتعاطفة معها.

كما فرضت واشنطن خلال عامي 2025 و2026 عقوبات على عدد من المؤسسات العاملة من الأراضي التركية، بعد اتهامها بتحويل أموال إلى جهات مرتبطة بحماس تحت غطاء العمل الإنساني والإغاثي.

أزمة ثقة تتجاوز التبرعات الموريتانية

بعيدًا عن صحة الاتهامات أو بطلانها، فإن القضية تكشف أزمة أعمق تتعلق بثقة المتبرعين في آليات العمل الإغاثي خلال الحروب، فكلما غابت التقارير المالية المستقلة، وكلما تعذر تتبع مسار الأموال، ازدادت الشكوك وتراجعت الثقة العامة، وهو ما قد يضر في النهاية بالمحتاجين والمستحقين الحقيقيين الذين يفترض أن تصل إليهم هذه التبرعات.

ولذلك يرى خبراء الحوكمة والعمل الإنساني أن الحل لا يكمن في تبادل الاتهامات، بل في نشر كشوف مالية دورية، وإخضاع حملات التبرع لرقابة مستقلة، وتمكين المتبرعين من معرفة مصير كل دولار تم جمعه باسم غزة.