< "المونيتور": صلته بهيئة تحرير الشام حجر عثرة أمام اعتماد سفير سوريا في القاهرة
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

"المونيتور": صلته بهيئة تحرير الشام حجر عثرة أمام اعتماد سفير سوريا في القاهرة

سوريا
سوريا

تبدو أزمة اعتماد السفير السوري الجديد في القاهرة، محمد طه الأحمد، أكثر من ملف بروتوكولي عالق بين وزارتين للخارجية، إذ تحولت إلى مؤشر حساس على طبيعة المرحلة الانتقالية في العلاقات المصرية السورية، وعلى حدود الانفتاح السياسي الذي تحاول القاهرة ودمشق اختباره بحذر شديد في سياق إقليمي بالغ التعقيد، وفقا لموقع المونيتور الأمريكي المتخصص في الشؤون الجيوسياسية.

وأبدت القاهرة تحفظات واضحة على مسار المرشح لمنصب السفير، ودوره السابق داخل حكومة الإنقاذ السورية في إدلب، وهي الحكومة التي ارتبطت سياسيًا وإداريًا بـهيئة تحرير الشام، قبل التحولات اللاحقة في البنية السياسية السورية بعد عام 2024.

تحفظات دبلوماسية بدل الرفض الصريح

وأضاف تقرير المونيتور أنه في الدبلوماسية التقليدية، لا يستخدم لفظ “الرفض” بسهولة في مثل هذه الملفات، بل تدار المواقف عبر عبارات أكثر مرونة مثل “عدم التوافق” أو “الحاجة إلى مزيد من التشاور”، وهو ما ينطبق على الحالة المصرية الحالية. فالقاهرة لا ترغب في إغلاق الباب أمام مسار التقارب مع دمشق، لكنها في الوقت نفسه لا تريد تمرير رسالة سياسية داخلية أو إقليمية مفادها التساهل مع شخصيات ارتبطت سابقًا بهياكل أو منظمات سياسية مثيرة للجدل مثل هيئة تحرير الشام.

هذا التوازن الدقيق يعكس منهجية مصرية ثابتة تجاه ملف الإسلام السياسي، حيث تنظر الدولة المصرية إلى أي ارتباطات سابقة مع تنظيمات ذات طابع أيديولوجي متشدد باعتبارها “عامل حساسية” في العلاقات الرسمية، حتى وإن كانت تلك التنظيمات قد خضعت لاحقا لتحولات سياسية أو تفكيك تنظيمي.

خلفية المرشح وسياق التحول السوري

محمد طه الأحمد، وهو شخصية اقتصادية وإدارية برزت داخل الحكومة السورية الانتقالية، شغل مناصب وزارية في إدلب خلال سنوات الحرب، ضمن إطار حكومة الإنقاذ التي عملت في مناطق خارج سيطرة دمشق السابقة. ومع التحولات السياسية التي أعقبت سقوط النظام السوري السابق في نهاية 2024، وإعادة تشكيل المؤسسات في دمشق، جرى طرحه لاحقًا ضمن الترشيحات الدبلوماسية لتمثيل سوريا في القاهرة.

غير أن هذا المسار، بحسب دبلوماسيين غربيين تحدثوا لصحيفة فايننشال تايمز، لا يمكن فصله عن “السيرة المؤسسية” للمرشحين، خصوصًا في العواصم التي تعتمد مقاربة أمنية صارمة تجاه الملفات الإقليمية.

القاهرة بين براجماتية السياسة وحدود الحساسية

منذ بداية إعادة الانفتاح التدريجي على دمشق، تحاول القاهرة صياغة مقاربة براغماتية تقوم على الفصل بين “التواصل السياسي” و“الاعتراف الكامل غير المشروط”. فهي تدرك أهمية إعادة إدماج سوريا في النظام العربي، لكنها في الوقت ذاته تتحرك ضمن حسابات داخلية دقيقة تتعلق بالأمن القومي وبموقفها التاريخي من جماعات الإسلام السياسي.

وترى دوائر تحليل غربية أن القاهرة تتعامل مع الملف السوري وفق معادلة مزدوجة: الانخراط الدبلوماسي التدريجي من جهة، والحفاظ على “خطوط حمراء سياسية” من جهة أخرى، خاصة فيما يتعلق بأي شخصيات ارتبطت سابقًا ببنى موازية للدولة السورية خلال سنوات الصراع.

دمشق وحسابات التمثيل الخارجي

في المقابل، تسعى دمشق الجديدة إلى تثبيت حضورها الدبلوماسي في العواصم العربية، باعتباره جزءًا من عملية إعادة التموضع الإقليمي بعد سنوات من العزلة. لكن هذا المسار يصطدم أحيانًا بتباين في معايير الاختيار بين الاعتبارات الداخلية السورية وبين اشتراطات الدول المستقبلة.

وبحسب محللين غربيين، فإن دمشق تجد نفسها مضطرة للموازنة بين “الشرعية الثورية السابقة” و“متطلبات الاعتراف الدبلوماسي التقليدي”، وهو ما يجعل بعض الترشيحات عرضة للتعثر أو التأجيل.

ملف مفتوح على التفاوض الهادئ

حتى الآن، لا يبدو أن الأزمة تتجه نحو القطيعة أو التصعيد، بل أقرب إلى “إدارة صامتة للخلاف”. فالقنوات الدبلوماسية بين القاهرة ودمشق ما زالت نشطة، سواء عبر اللقاءات الثنائية أو الاتصالات غير المعلنة، في إطار محاولة الحفاظ على مسار التقارب الذي بدأ يتشكل تدريجيًا خلال العامين الأخيرين.

ويرجح المراقبون أن يتم تجاوز العقدة الحالية عبر تقديم اسم بديل أكثر قبولًا من الجانب المصري، أو عبر إعادة صياغة غير رسمية لمسار الترشيح بما يسمح للطرفين بحفظ ماء الوجه دون الدخول في مواجهة مباشرة.

اختبار لنموذج العلاقات الجديدة

تعكس هذه الأزمة المحدودة اختبارًا عمليًا لنموذج العلاقات المصرية السورية في مرحلتها الجديدة، في طور بناء علاقات لا تقوم على القطيعة، لكنها أيضًا لم تصل بعد إلى مرحلة الثقة السياسية الكاملة. وبين هذين الحدين، تتحرك الدبلوماسية بهدوء محسوب، حيث تصبح “التحفظات” أداة سياسية لا تقل أهمية عن القرارات الصريحة، في إدارة ملفات الإقليم المعقدة.