< من الطاقة النظيفة إلى الفضاء.. توسع التعاون المصري الصيني مع مرور 70 عامًا على العلاقات الدبلوماسية
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

من الطاقة النظيفة إلى الفضاء.. توسع التعاون المصري الصيني مع مرور 70 عامًا على العلاقات الدبلوماسية

الرئيس نيوز

في لحظة رمزية تعكس عمق التحولات في خريطة الشراكات الدولية، تدخل العلاقات المصرية الصينية عامها السبعين، وسط توسع غير مسبوق في مجالات التعاون يمتد من الطاقة المتجددة والبنية التحتية الرقمية وصولًا إلى الفضاء والزراعة، في إطار شراكة باتت تمثل أحد أكثر النماذج حيوية داخل العالم النامي، وفقًا لصحيفة “الشعب اليومية” الصينية.

70 عامًا من التحالف.. من الاعتراف المبكر إلى الشراكة الاستراتيجية

تعود جذور العلاقات بين القاهرة وبكين إلى 30 مايو 1956، حين أصبحت مصر أول دولة عربية وإفريقية تعترف بجمهورية الصين الشعبية. 

ومنذ ذلك التاريخ، تطور المسار الدبلوماسي تدريجيًا حتى بلغ ذروته بإعلان الشراكة الاستراتيجية الشاملة عام 2014، قبل أن تنضم مصر إلى مجموعة “البريكس” في عام 2024، ما أعاد رسم طبيعة التفاعل الاقتصادي والسياسي بين الجانبين.

الطاقة تتحول إلى نفوذ.. الصين في قلب التحول الأخضر المصري

يتمثل أحد أبرز محاور التعاون في قطاع الطاقة، حيث أصبحت الشركات الصينية لاعبًا رئيسيًا في مشروعات الطاقة المتجددة داخل مصر، ومع تزايد الطلب المحلي على الكهرباء، تتجه الدولة إلى تعزيز استثماراتها في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح ضمن رؤية 2030، في محاولة لتقليل الاعتماد على الوقود التقليدي.

وبرزت مشروعات كبرى مثل محطات بنبان وكوم أمبو في أسوان، إلى جانب مزارع الرياح في خليج السويس، كأحد أهم رموز هذا التحول. 

ويُعد مجمع بنبان للطاقة الشمسية من أكبر المشروعات في العالم، حيث نُفذت أجزاء واسعة منه باستخدام تقنيات ومعدات صينية متقدمة، ما يعكس حجم التكامل الصناعي بين الجانبين.

“أوبليسك”.. مشروع يعيد تعريف تخزين الطاقة في الصحراء

مع توسع الطاقة المتجددة، برزت الحاجة إلى حلول تخزين متقدمة، وهو ما تجسد في مشروع “أوبليسك” للطاقة الشمسية والتخزين، الذي أصبح أكبر منشأة من نوعها في مصر، ويغطي المشروع احتياجات ملايين الأسر من الكهرباء، مع اعتماد أنظمة ذكية لإدارة الطاقة صُممت للعمل في بيئة صحراوية شديدة الحرارة.

وتعتمد هذه الأنظمة على تقنيات تحليل فوري وإدارة ذكية للأحمال، بما يسمح بتقليل الفاقد وتحسين استقرار الشبكة الكهربائية، في خطوة تمثل نقلة نوعية في إدارة الطاقة على مستوى المنطقة.

الثورة الرقمية.. من الكابل إلى الذكاء الاصطناعي

لم يعد التعاون المصري الصيني مقتصرًا على البنية التحتية التقليدية، بل امتد إلى مجالات أكثر تقدمًا في الاقتصاد الرقمي، فقد شمل التعاون تطوير شبكات الألياف الضوئية، وتصنيع الهواتف، والحوسبة السحابية، وأنظمة الذكاء الاصطناعي. 

ويُعد مركز البيانات الحكومي المصري، الذي تم إنشاؤه بتقنيات صينية، أحد أبرز معالم هذا التعاون، إلى جانب إطلاق أول منصة سحابية عامة في البلاد، والتي جذبت مئات المؤسسات في وقت قصير، ما يعكس تسارع التحول الرقمي في مصر.

ذكاء اصطناعي يعيد قراءة التاريخ.. الهيروغليفية في العصر الرقمي

من أبرز التطبيقات اللافتة في هذا التعاون ظهور أدوات تعتمد على الذكاء الاصطناعي قادرة على قراءة وترجمة النقوش الهيروغليفية في الزمن الحقيقي. 

وتسمح هذه التقنية بتحويل زيارة المواقع الأثرية والمتاحف إلى تجربة تفاعلية متقدمة، حيث يمكن للزائر توجيه هاتفه نحو النقوش والحصول على ترجمة فورية.

هذا التطور يفتح الباب أمام دمج التراث الحضاري المصري مع أحدث تقنيات الواقع المعزز، ما يعزز من جاذبية السياحة الثقافية عالميًا.

“مصر سات 2”.. دخول القاهرة نادي الفضاء بقوة صينية

في ديسمبر 2023، أطلقت الصين القمر الصناعي “مصر سات 2”، في خطوة جعلت مصر أول دولة إفريقية تمتلك قدرات متكاملة في مجالات تصنيع وتجميع واختبار الأقمار الصناعية. 

وجرى تنفيذ المهمة عبر فرق مشتركة عملت وفق معايير هندسية موحدة، مع نقل خبرات تكنولوجية متقدمة إلى الكوادر المصرية. 

ويُعد هذا المشروع علامة فارقة في مسار التعاون الفضائي، إذ يعكس انتقال الشراكة من البنية التحتية إلى الصناعات عالية التقنية.

زراعة الصحراء.. تحويل الأرض الجافة إلى اقتصاد إنتاجي

في قطاع الزراعة، ساهمت الاستثمارات الصينية في دعم مشروع “الدلتا الجديدة”، الذي يهدف إلى استصلاح مساحات واسعة من الصحراء وزيادة الإنتاج الغذائي. 

وجرى إنشاء محطات كهرباء لدعم أنظمة الري الحديثة التي تعتمد على مياه النيل، ما يساهم في تحويل الأراضي الجافة إلى مناطق إنتاج زراعي مستدام.

الحزام والطريق.. مراكز صناعية تعيد تشكيل الخريطة الاقتصادية

ضمن مبادرة “الحزام والطريق”، تحتضن مصر مشروعات كبرى تشمل منطقة الأعمال المركزية في العاصمة الإدارية الجديدة، ومنطقة التعاون الاقتصادي في قناة السويس، التي تضم مئات الشركات العاملة في مجالات الصناعة والتصدير، ما يعزز موقع مصر كمركز إقليمي للتصنيع والخدمات اللوجستية.

شراكة تتجاوز الاقتصاد.. رؤية لمستقبل عالمي جديد

أكدت الصحيفة الصينية أن هذه الشراكة لم تعد اقتصادية فحسب، بل أصبحت نموذجًا لتقاطع المصالح بين القوى الصاعدة في النظام العالمي الجديد، فالتعاون بين القاهرة وبكين بات يمتد إلى التكنولوجيا المتقدمة، والتنمية المستدامة، وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية.

ومع دخول العلاقات عقدها الثامن، يبدو أن المسار يتجه نحو مزيد من التكامل، حيث تتحول الشراكة من مشاريع منفصلة إلى رؤية استراتيجية شاملة تعيد تعريف مفهوم التعاون بين الدول النامية في القرن الحادي والعشرين.