سباق المعادن الحرجة.. خطوات مصرية لاستخراج الليثيوم بمساعدة تقنية إسبانية
اتخذت مصر خطوات جديدة نحو دخول مجال المعادن الحرجة، وعلى رأسها الليثيوم، في إطار مساعٍ لإعادة تشكيل أحد أضعف قطاعات الاقتصاد المصري تاريخيا، وتحويله إلى رافعة جديدة للنمو والاستثمار.
يأتي هذا التوجه في وقت يتزايد فيه الطلب العالمي على المعادن المستخدمة في صناعة البطاريات والتكنولوجيا الخضراء، خاصة مع توسع سوق السيارات الكهربائية وتخزين الطاقة، ما جعل الليثيوم أحد أهم الموارد الاستراتيجية في الاقتصاد العالمي الحديث، وفقًا لصحيفة "مايننج" المتخصصة في شؤون التعدين.
اتفاق جوي مع شركة إسبانية لرسم باطن الصحراء
أعلنت القاهرة مؤخرا توقيع اتفاق مع شركة إسبانية متخصصة لتنفيذ مسوحات جوية باستخدام طائرات مجهزة بتقنيات جيوفيزيائية متقدمة، بهدف استكشاف الثروات المعدنية في مناطق واسعة من البلاد.
ويعد هذا المشروع أول مسح جوي شامل لقطاع التعدين في مصر منذ أكثر من أربعة عقود، وهو ما يعكس تحولا كبيرا في طريقة تعامل الدولة مع ملف الثروات المعدنية، من الاعتماد على البيانات القديمة إلى بناء قاعدة معلومات حديثة قابلة للاستثمار.
الصحراء الشرقية والغربية في قلب الخريطة الجديدة
يغطي المشروع مناطق جغرافية واسعة تشمل الصحراء الشرقية والغربية وشبه جزيرة سيناء، إضافة إلى مناطق الواحات البحرية وأبو طرطور في محافظة الوادي الجديد.
وتشير بيانات رسمية إلى أن الهدف الأساسي من هذه المرحلة هو إنشاء قاعدة بيانات جيولوجية دقيقة تحدد مناطق التمعدن المحتملة، قبل طرحها أمام المستثمرين المحليين والدوليين.
ثروات غير مستغلة.. وقطاع لا يتجاوز 1% من الاقتصاد
رغم التنوع الجيولوجي الكبير الذي تتمتع به مصر، فإن مساهمة قطاع التعدين لا تتجاوز نحو 1% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو رقم يعكس فجوة كبيرة بين الإمكانات الطبيعية والواقع الاقتصادي.
ويرجع الخبراء هذا الضعف إلى نقص البيانات الجيولوجية الحديثة، واعتماد خرائط قديمة تعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، ما جعل الاستثمار في هذا القطاع محفوفا بالمخاطر بالنسبة للشركات العالمية.
الليثيوم.. “نفط المستقبل” في قلب الاستراتيجية المصرية
تركز الخطط الجديدة بشكل خاص على المعادن الحرجة مثل الليثيوم، والنيكل، والكوبالت، والعناصر الأرضية النادرة، وهي مواد أساسية في صناعة البطاريات والتقنيات الحديثة والطاقة المتجددة.
وينظر إلى الليثيوم بشكل خاص باعتباره أحد أهم الموارد الاستراتيجية في العالم، نظرا لدوره الحيوي في صناعة بطاريات السيارات الكهربائية وأنظمة تخزين الطاقة، ما يجعله “نفط المستقبل” في الاقتصاد العالمي الجديد.
هدف طموح.. رفع مساهمة التعدين إلى 6%
تسعى الحكومة المصرية إلى رفع مساهمة قطاع التعدين في الناتج المحلي الإجمالي من نحو 1% حاليا إلى 6% خلال السنوات المقبلة، عبر جذب استثمارات أجنبية وتحديث الإطار التشريعي المنظم للقطاع.
وتشمل هذه الإصلاحات تحسين شروط التراخيص، وتعديل أنظمة تقاسم الإيرادات، وتبسيط الإجراءات أمام المستثمرين، بما يتماشى مع المعايير الدولية في قطاع التعدين.
ضغوط الطلب العالمي تعيد كتابة الأولويات
تأتي هذه التحركات في وقت يشهد فيه العالم سباقا متسارعا على تأمين المعادن الحرجة، وسط اضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية وتغيرات في أسواق الطاقة.
وتشير تقارير اقتصادية دولية إلى أن التوترات الجيوسياسية، بما في ذلك الصراعات في مناطق مختلفة من العالم، أدت إلى إعادة تقييم الدول لاستراتيجياتها المتعلقة بالموارد الطبيعية، والبحث عن مصادر بديلة وآمنة للمعادن الاستراتيجية.
الصحراء المصرية كمنطقة استثمار جديدة
تمتلك الصحراء المصرية، خاصة الشرقية، تاريخا طويلا مع التعدين، حيث ارتبطت منذ العصور القديمة باستخراج الذهب والنحاس والزنك، إلا أن معظم ثرواتها المعدنية لم يتم استغلالها بشكل كامل حتى اليوم.
وتسعى القاهرة حاليا إلى إعادة تعريف هذه المناطق كوجهات استثمارية واعدة، ضمن رؤية أوسع لتحويل قطاع التعدين إلى أحد أعمدة الاقتصاد الوطني.
مؤتمر تعدين عالمي في القاهرة
من المتوقع أن يشكل مؤتمر التعدين المصري المقبل منصة رئيسية لعرض الفرص الاستثمارية الجديدة، خاصة في ما يتعلق بمناطق الاستكشاف المفتوحة ضمن ما يعرف بـ“درع العربية النوبية”، وهي منطقة جيولوجية تمتد عبر شمال شرق أفريقيا والجزيرة العربية وتحتوي على احتياطيات معدنية ضخمة غير مستغلة.
من اقتصاد تقليدي إلى اقتصاد موارد استراتيجية
تعكس هذه التحركات تحولا أعمق في فلسفة الاقتصاد المصري، من الاعتماد على القطاعات التقليدية إلى التوجه نحو اقتصاد قائم على الموارد الاستراتيجية وسلاسل القيمة العالمية.
وفي حال نجاح هذه الخطط، قد يتحول قطاع التعدين إلى أحد أهم محركات النمو في مصر خلال العقد المقبل، ليس فقط كمصدر دخل، بل كعنصر أساسي في إعادة تموضع البلاد داخل خريطة الاقتصاد العالمي الجديد.