< "انزعوا سلاح الذكاء الاصطناعي".. بابا الفاتيكان يطلق صرخة تحذير في وجه الخوارزميات
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

"انزعوا سلاح الذكاء الاصطناعي".. بابا الفاتيكان يطلق صرخة تحذير في وجه الخوارزميات

بابا الفاتيكان يحذر
بابا الفاتيكان يحذر من الذكاء الاصطناعي

في خطوة غير مسبوقة في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية، اختار البابا ليو الرابع عشر أن تكون أولى رسائله العقدية الكبرى تحذيرًا صريحًا من الذكاء الاصطناعي

وأصدر البابا أول نص لاهوتي كبير في عهده، محذرًا من التمدد المتسارع للذكاء الاصطناعي وداعيًا إلى تنظيم أكثر صرامة لهذه التقنية، وفقا لمجلة تايم الأمريكية.

جاء ذلك في وثيقة بالغة الأثر أُطلق عليها اسم "Magnifica Humanitas" — أي "الإنسانية العظيمة" — وهي الرسالة العقدية الأولى للبابا ليو الرابع عشر، المعنية بصون الإنسان في زمن الذكاء الاصطناعي، وقد وُقّعت في الخامس عشر من مايو، في الذكرى الـ١٣٥ لنشر رسالة "ريروم نوفاروم" للبابا ليو الثالث عشر.

واللافت إلى أن البابا اختار هذا التوقيت بعناية، في إشارة واضحة إلى أن الكنيسة تُدرك ثقل اللحظة التاريخية وتأبى أن تقف متفرجة على ثورة تُعيد تشكيل الإنسان وعلاقته بالآلة.

وثيقة بـ٤٢ ألف كلمة تزلزل وادي السيليكون

تضم الرسالة العقدية نحو ٤٢٣٠٠ كلمة، وتُشكّل أشمل تصريح للبابا حتى الآن بشأن وعود الذكاء الاصطناعي ومخاطره، وقد صِيغت بوصفها نداءً للدفاع عن الإنسانية في عالم يتسارع فيه التحول الآلي.

والأكثر لفتًا للنظر أن البابا قدم الرسالة في الفاتيكان بحضور كريستوفر أولاه، أحد مؤسسي شركة أنثروبيك للذكاء الاصطناعي، في إيماءة رمزية للحوار بين قيادة الكنيسة وصناعة الذكاء الاصطناعي.

وأكد أولاه في هذا السياق أن شركات الذكاء الاصطناعي تعمل في منظومة حوافز وقيود قد تتعارض أحيانًا مع اتخاذ القرار الصحيح، مرحّبًا بالأصوات الخارجية كالكنيسة لدفع المسار نحو وجهة أفضل. وقد رأى مراقبون في هذا المشهد — بابا وعالِم حاسوب في قاعة واحدة — دلالةً على أن النقاش حول مستقبل الذكاء الاصطناعي تجاوز أروقة التكنولوجيا ليصبح شأنًا حضاريًا بامتياز.

5 مخاطر يحذر منها البابا

لا تكتفي الوثيقة بالقلق المجرد، بل تُحدد مخاطر بعينها. يرى البابا أن الذكاء الاصطناعي قادر على تعميق عدم المساواة لأن البيانات والقدرة الحسابية والنفوذ التنظيمي تتركز في يد عدد محدود من الجهات الفاعلة، وأنه قادر على زعزعة استقرار الديمقراطية عبر تضخيم المعلومات المضللة وطمس الحدود بين الحقيقة والزيف، فضلًا عن أنه يجعل الحرب أيسر بتسريع القرارات المميتة وإبعاد الإنسان عن المسؤولية المباشرة، على حد وصف موقع أكسيوس الأمريكي، وفي أكثر عباراته حدة، يكتب البابا: "لا خوارزمية يمكنها أن تجعل الحرب مقبولة أخلاقيًا".

وحذر البابا في الوثيقة من أن الذكاء الاصطناعي يخاطر بجعل الحضارة أقل إنسانية، إذ يُجوّف العمل، ويركّز الثروة، ويُختزل الناس في أنظمة تحركها البيانات والكفاءة بدلًا من الكرامة والأخلاق. 

ويمتد هذا القلق ليطال الأطفال والشباب تحديدًا، إذ تدعو الوثيقة إلى إعادة النظر في طريقة تعليم الأجيال القادمة على التعامل مع الذكاء الاصطناعي، وتحذر من مخاطر الاعتماد المفرط عليه في مراحل تشكّل الشخصية والهوية.

"نزع سلاحه".. وقارنه بالسلاح النووي

وقارن البابا الحاجة إلى تنظيم الذكاء الاصطناعي بالسيطرة على الأسلحة النووية، مؤكدًا: "مثل الطاقة النووية، يجب أن يكون في خدمة الجميع والصالح العام".

وأضاف أن نزع سلاح الذكاء الاصطناعي وحده لا يكفي، بل دعا الحكومات والمؤسسات إلى "بناء" أنظمة متجذرة في الثقة والكرامة الإنسانية. وحذّر البابا من "سباق نحو خوارزميات أكثر قوة وبيانات أضخم" تحركه "الرغبة في تحقيق الهيمنة الجيوسياسية أو التجارية"، مشيرًا إلى أن هذا المنطق التنافسي المحموم هو بالضبط ما يجعل الذكاء الاصطناعي أداةً للسيطرة لا للتحرر.

السياق التاريخي: درس الثورة الصناعية لا ينسى

الرسالة الأكثر تشابهًا مع "ماجنيفيكا هيومانيتاس" هي رسالة "ريروم نوفاروم" للبابا ليو الثالث عشر، التي صدرت إبان الثورة الصناعية وتصدت للدفاع عن حقوق العمال والتفاوت الاقتصادي والتداعيات الاجتماعية للتصنيع المتسارع، وباتت نصًا تأسيسيًا في التعليم الاجتماعي الكاثوليكي الحديث.

ومن هنا يظهر التوازي بجلاء؛ فكما واجهت الكنيسة آنذاك ثورة الآلة، تواجه اليوم ثورة الخوارزميات، وبالجسارة ذاتها. وفي عبارة تلخص روح الوثيقة كلها، يكتب البابا: "في عصر الذكاء الاصطناعي، يظل واجبنا الأكثر إلحاحا هو أن نظل بشرًا في العمق."