شيفرون تجدد آمال مصر بقطاع الغاز.. وعملاق الحفر "ستينا فورث" يبدأ بحقل النرجس| عاجل
تراهن القاهرة على الاكتشافات الجديدة للغاز لكسر أزمة الطاقة واستعادة موقعها في سوق الغاز الإقليمي كرقم يصعب تحاوزه، ووفقا لصحيفة ميدل إيست أوبزيرفر، دخلت مصر مرحلة جديدة في معركة الطاقة مع انطلاق عمليات الحفر في حقل النرجس للغاز الطبيعي شرق البحر المتوسط، في خطوة تنظر إليها باعتبارها اختبارًا حقيقيًا لقدرتها على استعادة زخمها الغازي بعد سنوات من الضغوط والإنتاج المتراجع.
وصول ستينا فورث إلى موقع الامتياز البحري لبدء أعمال التنقيب
وصلت سفينة الحفر "ستينا فورث" إلى موقع الامتياز البحري لبدء أعمال التنقيب التي تقودها شركة شيفرون الأمريكية، وسط متابعة حكومية مباشرة تعكس أهمية المشروع بالنسبة إلى الدولة المصرية، سواء من زاوية أمن الطاقة أو من زاوية استعادة دور مصر كمركز إقليمي لتجارة وتسييل الغاز.
وحمل حضور وزير البترول والثروة المعدنية كريم بدوي إلى موقع الحفر رسالة واضحة مفادها أن ملف الغاز لم يعد مجرد مشروع اقتصادي تقليدي، بل تحول إلى قضية استراتيجية ترتبط مباشرة بأمن الدولة واستقرار السوق المحلية.
وتأتي هذه التحركات في وقت تواجه فيه مصر تحديات متزايدة مرتبطة بارتفاع الطلب الداخلي على الطاقة، بالتزامن مع تراجع إنتاج بعض الحقول القديمة وارتفاع فاتورة الاستيراد خلال الفترات الأخيرة.
ولا تعمل شيفرون منفردة في هذا المشروع، بل تتحرك ضمن تحالف يضم شركة إيني الإيطالية، ومبادلة الإماراتية للطاقة، إلى جانب شركة ثروة للبترول المصرية. ويعكس هذا التكتل حجم الثقة الدولية المتزايدة في إمكانات شرق المتوسط، كما يكشف عن تشابك المصالح الاقتصادية بين أطراف إقليمية ودولية ترى في المنطقة واحدة من أهم ساحات الطاقة الصاعدة خلال السنوات المقبلة.
النرجس.. رهان جديد في سباق الغاز
يمثل حقل النرجس واحدًا من أبرز المشاريع التي تعول عليها القاهرة لتعويض تراجع الإنتاج في بعض الحقول القائمة، خصوصًا مع تصاعد الحاجة المحلية إلى الغاز لتشغيل محطات الكهرباء والقطاع الصناعي.
وتراهن الحكومة المصرية على أن يؤدي تسريع عمليات التطوير والاستكشاف إلى زيادة الإمدادات المحلية وتقليص الاعتماد على الواردات، وهو هدف أصبح ملحًا بعد فترات من نقص الإمدادات وانقطاعات الطاقة التي أثرت على قطاعات اقتصادية واسعة.
ويرى متخصصون في قطاع الطاقة أن أهمية النرجس لا ترتبط فقط بحجم الاحتياطات المحتملة، بل أيضًا بتوقيته السياسي والاقتصادي. فمصر تحاول استغلال التحولات الكبرى في سوق الطاقة العالمية، خاصة بعد تغير خريطة إمدادات الغاز إلى أوروبا وتراجع الاعتماد الأوروبي على الغاز الروسي. هذا التحول فتح الباب أمام شرق المتوسط ليصبح أحد البدائل المهمة في معادلة الطاقة الدولية، وهو ما يمنح الاكتشافات الجديدة في المنطقة قيمة استراتيجية تتجاوز حدود الأسواق المحلية.
شيفرون توسع حضورها في مصر
التحرك الأخير لا يبدو منفصلًا عن خطة أوسع تتبناها شيفرون لتعزيز وجودها في المنطقة. فقد أعلنت الشركة في وقت سابق نيتها حفر آبار جديدة في المياه المصرية خلال العام الجاري، سواء في حقل النرجس أو في مناطق أخرى غرب المتوسط بالتعاون مع شركات دولية كبرى. كما تحدث مسؤولو الشركة عن خطط لزيادة الطاقة الإنتاجية التشغيلية بنسبة كبيرة خلال السنوات المقبلة، مع وضع مصر في قلب هذه الاستراتيجية.
ويشير مراقبون إلى أن شيفرون تنظر إلى السوق المصرية باعتبارها أكثر من مجرد منطقة إنتاج، بل بوصفها منصة إقليمية متكاملة تمتلك بنية تحتية مهمة تشمل محطات إسالة الغاز وشبكات النقل والموانئ، وهو ما يمنحها أفضلية تنافسية مقارنة بدول أخرى في المنطقة. كما أن موقع مصر الجغرافي يجعلها نقطة عبور حيوية بين أسواق الشرق الأوسط وأوروبا، الأمر الذي يعزز جاذبيتها بالنسبة إلى شركات الطاقة العالمية.
شرق المتوسط يدخل مرحلة أكثر سخونة
تأتي عمليات الحفر الجديدة وسط تنافس متصاعد على ثروات شرق المتوسط، حيث تسعى دول المنطقة إلى تعزيز مواقعها في سوق الغاز العالمية عبر تسريع عمليات الاستكشاف والإنتاج. ولم تعد المنطقة مجرد ساحة اقتصادية، بل تحولت تدريجيًا إلى مساحة تتداخل فيها حسابات الطاقة مع النفوذ السياسي والتحالفات الجيوسياسية.
وفي هذا السياق، تبدو القاهرة حريصة على تثبيت موقعها كلاعب محوري في معادلة الغاز الإقليمية، مستفيدة من بنيتها التحتية وخبرتها الطويلة في قطاع الطاقة. لكن الرهان الحقيقي سيظل مرتبطًا بما ستكشفه أعمال الحفر في حقل النرجس خلال المرحلة المقبلة. فإذا جاءت النتائج بحجم التوقعات، فقد يتحول الحقل إلى نقطة تحول استراتيجية تمنح مصر دفعة قوية نحو استعادة مكانتها كمركز رئيسي للطاقة في شرق المتوسط، وتعيد رسم خريطة الغاز في المنطقة بأكملها.