< لماذا قرر ترامب ضرب إيران رغم التحذيرات؟ 3 أخطاء قاتلة
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

لماذا قرر ترامب ضرب إيران رغم التحذيرات؟ 3 أخطاء قاتلة

الرئيس نيوز

لم يكن قرار دونالد ترامب ضرب إيران مجرد ضربة عسكرية عابرة، بل كان اختبارا حقيقيا لقدرة النماذج الأكاديمية في تحليل السياسة الخارجية على استيعاب أسلوب قيادة لا يشبه أي نمط سبقه. 

قرار ترامب ضرب إيران يُمثل من أشد الاستخدامات للقوة العسكرية خطورة في السياسة الخارجية الأمريكية الحديثة، ولم يكن قرارا تلقائيا ولا مجرد رد فعل، بل نشأ عن تشابك معقد بين الحسابات الاستراتيجية والغريزة السياسية وديناميكيات التحالفات وأسلوب القيادة الشخصي، وفقا لورقة بحثية نشرتها مؤسسة كارنيجي بالتعاون مع موقع E International Relations البحثي الأكاديمي.

والسؤال الذي يشغل المحللين اليوم ليس فقط "لماذا تصرف ترامب"، بل "هل تستطيع الأطر التحليلية الكلاسيكية أصلا أن تفسر كيف اتُّخذ هذا القرار؟"

نموذج الفاعل العقلاني.. وحدوده الصارمة

عند أول وهلة يبدو قرار ترامب قابلا للتفسير عبر نموذج الفاعل العقلاني الذي يفترض أن الدول تتصرف كوحدات موحدة تحدد أهدافا استراتيجية وتقيّم الخيارات المتاحة وتختار المسار الذي يعظم مصلحتها الوطنية. من هذا المنظور، خلصت الإدارة الأمريكية إلى أن تكاليف التقاعس في ارتفاع مستمر، إذ واصلت إيران تطوير قدراتها الصاروخية والنووية وأثبتت صمودا أمام العقوبات والضغط الاقتصادي.

بيد أن هذا النموذج يصطدم بحدوده الصارمة فور مقارنته بما جرى فعليا، إذ تتسم سياسة ترامب بالارتجالية المحسوبة والقيادة الشخصية التي تطغى على المؤسسات، مما يجعل نموذج الفاعل العقلاني صالحا لوصف النتيجة لا لتفسير المسار الحقيقي لصنع القرار.

خلل منظومة صنع القرار

تكشف الحرب مع إيران عن نظام صنع قرار مختل جراء تفريغ البيروقراطية الأمنية من كفاءاتها وتهميش الخبرة والتجربة والطابع الشخصي الحاد لهذا الرئيس، وقد أفرز هذا الخلل سلسلة من الإخفاقات في السياسة الخارجية، من الفشل الدبلوماسي في أوكرانيا إلى انهيار الدبلوماسية قبيل الضربتين الأمريكية والإسرائيلية على إيران. 

وهذا ما يكشف عن الفجوة بين نموذجين: النموذج الأكاديمي الذي يفترض وجود منظومة مؤسسية منظمة لتحليل البدائل، والواقع الفعلي حيث تتركز القرارات المصيرية في يد شخص واحد.

السياسة الخارجية كحالة هجينة

تقتضي سياسة ترامب الخارجية نهجا تحليليا متعددا يُضفر بين نماذج الحساب العقلاني والدبلوماسية القسرية والمساومة التجارية وضغوط التحالفات والتحيزات المعرفية في آن واحد، فهذه النماذج لا تفشل بل يجب تطبيقها معا لاستيعاب عملية صنع قرار تجمع بين البنية المنهجية والعمق الشخصي في الوقت ذاته، وهذا النمط الهجين هو ما يجعل ترامب أصعب حالة درسها علماء العلاقات الدولية منذ عقود.

دروس التاريخ ومرايا الماضي

يستدعى المحللون حروبا أمريكية سابقة للمقارنة. ففي فيتنام، تحولت الحسابات العقلانية حول المصداقية والاحتواء إلى مغامرة منفصلة عن الواقع الميداني.

 وفي العراق، أثبتت افتراضات إدارة بوش حول الاستقرار السريع خطأها الفادح، مكشوفةً أن صانعي القرار بالغوا في تقدير قدرة القوة العسكرية على إعادة تشكيل الواقع السياسي. وإذا كانت ثمة درس واحد يمكن استخلاصه من الصراع مع إيران، فهو أن قرارا واحدا غير مدروس بما يكفي يمكنه أن يعطل السياسة الخارجية بأكملها بخلق مشكلات أكثر مما يحل.

الرهان على الغموض 

أقدم ترامب على الضربات العسكرية ضد إيران رغم تحذيرات خاصة من كبار مساعديه من أن التصعيد قد يصعب احتواؤه، وأن المغامرة في السياسة الخارجية قد تُعرض حظوظ الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي للخطر، لكنه انحاز في نهاية المطاف إلى الرأي القائل بأن الحسم العسكري سيُظهره قائدا قويا حتى وإن كان ينطوي على مخاطر بعيدة المدى، وهذا بالضبط ما يجعل سياسة ترامب تحديا أكاديميا حقيقيا: فهي تفسر في كثير من الأحيان بعد وقوعها لا قبله، وتبدو منطقية في أثرها الآني لكنها تُخلف تداعيات يصعب التنبؤ بها.