< مصر بنت المستحيل قبل آلاف السنين.. توابيت سقارة الصخرية تبهر العالم
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

مصر بنت المستحيل قبل آلاف السنين.. توابيت سقارة الصخرية تبهر العالم

في قلب هضبة سقارة، حيث تتجاور الأهرامات والمقابر الملكية، يوجد أحد أكثر أسرار العمارة المصرية القديمة إثارة للدهشة متمثلا في سيرابيوم سقارة، ذلك المجمع الجنائزي الذي خصص لدفن الثيران المقدسة المعروفة في تاريخ مصر القديمة باسم «عجل أبيس»، الذي اعتبره المصريون القدماء تجسيدا حيا للإله بتاح في منف، وفقا لصحيفة «أركيونيوز»، العالمية المتخصصة في التراث الإنساني والآثار حول العالم.

سيرابيوم سقارة… مقبرة مذهلة تحت الرمال

يقع السيرابيوم شمال غرب هرم زوسر المدرج في سقارة، وأعيد اكتشافه عام 1850 على يد عالم المصريات الفرنسي أوجست مارييت، ليكشف لاحقا عن شبكة من الممرات والدهاليز المؤدية إلى حجرات دفن ضخمة. وهناك، تنتصب توابيت حجرية عملاقة منحوتة من الجرانيت والبازلت، بعضها يزن أكثر من مئة طن، في مشهد يثير رهبة كل من يزوره.

عجل أييس المقدس

في منف، كان الثور أبيس يعامل ككائن إلهي، يختار بعناية وفق علامات مقدسة، ويكرم طوال حياته، بل وبعد وفاته، فيتم تحنيطه ويدفن في طقوس مهيبة داخل توابيت عملاقة، قبل أن يختار ثور آخر ليحمل الشعلة الدينية.

 

هندسة تتحدى المستحيل

ولفتت الصحيفة العالمية إلى أن الإنجاز الحقيقي يكمن في كيفية نحت ونقل هذه التوابيت العملاقة إلى أعماق الأرض؛ فالمهندسون المصريون استخدموا أدوات بسيطة نسبيًا شملت الأزاميل، المواد الكاشطة، والزلاجات، والبكرات، والرافعات الخشبية، ورغم بساطة الوسائل، فإن النتيجة كانت مذهلة، إذ تمكنوا من التحكم في كتل حجرية هائلة داخل ممرات ضيقة تحت الأرض، بدقة هندسية لا تزال تثير إعجاب العلماء حتى اليوم.

جدل حول التوابيت الفارغة

عند إعادة اكتشاف السيرابيوم، وجدت العديد من التوابيت فارغة أو تعرضت للنهب والانتهاك على مدار قرون، ما أثار تكهنات بأن هذه الصناديق لم تصنع للثيران أصلا. لكن التفسير الأثري الأكثر ترجيحا هو أن الموقع تعرض للنهب عبر العصور، وهو أمر شائع في المقابر المصرية القديمة.

بين الإيمان والسلطة

لم يكن السيرابيوم مجرد مقبرة للحيوانات، بل كان بيانا معماريًا ضخمًا يجسد تلاقي الدين بالسلطة. كل تابوت عملاق كان إعلانًا عن قوة الدولة وقدرتها على تحويل دفن ثور مقدس إلى مشروع هندسي يتحدى الزمن. وبهذا، تحولت الطقوس الدينية إلى عمارة ملكية الطابع، تُظهر كيف استطاع المصريون القدماء تنظيم العمل والإيمان والموارد لتحقيق ما يبدو مستحيلا.

 

آثار تتحدى الخيال

اليوم، يظل السيرابيوم شاهدًا على عبقرية المصريين القدماء، ليس فقط في بناء الأهرامات والمعابد، بل أيضًا في تحويل دفن الحيوانات المقدسة إلى إنجاز هندسي يثير إعجاب العالم الحديث. فالمستحيل الذي بنته مصر قبل آلاف السنين ما زال يذكّرنا بأن الحضارة المصرية لم تكن مجرد تاريخ، بل درس خالد في الإبداع والإرادة والتنظيم.