القاهرة في قلب هذه المعادلة.. مصر تقلب موازين الطاقة العالمية وتستعد لشحن الغاز القبرصي إلى أوروبا
تمكنت مصر خلال السنوات الأخيرة من إحداث تحولات لافتة في موقعها على خريطة الطاقة العالمية، إذ تسعى إلى لعب دور محوري في تصدير الغاز الطبيعي من شرق المتوسط إلى أوروبا. وجاءت الاتفاقيات الأخيرة مع قطر للطاقة وإكسون موبيل لتؤكد هذا التوجه، إذ تم توقيع مذكرة تفاهم مع وزارة البترول المصرية لمد خطوط أنابيب تنقل الغاز القبرصي إلى محطات الإسالة المصرية، ومنها في نهاية المطاف إلى المستهلك الأوروبي. ووفقا لبلومبرج، تعكس هذه الخطوة إدراك القاهرة لأهمية موقعها الجغرافي وبنيتها التحتية المتقدمة في خدمة أمن الطاقة الأوروبي.
حقول جلوكوس وبيجاسوس.. أفروديت من الاستكشاف إلى التصدير
تاريخيًا، واجهت قبرص صعوبات في تحويل اكتشافاتها البحرية إلى صادرات تجارية بسبب غياب منشآت الإسالة لديها، لكن الاتفاق مع مصر يفتح الباب أمام استغلال حقول مثل أفروديت وجلوكوس وبيجاسوس، التي تقدر احتياطياتها بنحو سبعة تريليونات قدم مكعب، ووصف الرئيس القبرصي نيكوس كريستودوليدس هذه الخطوة بأنها «نقطة تحول»، تنقل بلاده من مرحلة الاستكشاف إلى مرحلة الاستغلال التجاري لمواردها الطبيعية، وهو ما يضع مصر في قلب هذه المعادلة باعتبارها المنفذ الوحيد لتسييل الغاز القبرصي.
مصر جسر لعبور الغاز إلى المستهلك الأوروبي
ترى القاهرة أن هذه الاتفاقيات تعزز مكانتها كمركز إقليمي للطاقة، وتمنحها فرصة لتحقيق مكاسب اقتصادية عبر رسوم مرور الغاز وزيادة صادرات الغاز الطبيعي المسال، كما أن التعاون مع شركات عالمية كبرى مثل قطر للطاقة وإكسون موبيل يعزز ثقة المستثمرين ويكرس دور مصر كجسر بين منتجي الغاز في شرق المتوسط والمستهلكين الأوروبيين.
قطر للطاقة في قلب الصفقة
كان الرئيس التنفيذي لقطر للطاقة، سعد الكعبي، قد أكد أن الاتفاق يمثل "خطوة مهمة لتعزيز التعاون الإقليمي في مجال الطاقة"، وهو ما يعكس البعد الاستراتيجي لهذه الصفقة.
بالنسبة لأوروبا، فإن الغاز القبرصي عبر مصر لن يغير موازين الطاقة بمفرده، لكنه يضيف خيارًا جديدًا في وقت تبحث فيه القارة عن بدائل للغاز الروسي بعد الحرب في أوكرانيا، العقود الموقعة تصل مدتها إلى 15 عامًا قابلة للتمديد، ما يوفر استقرارًا في الإمدادات ويعزز أمن الطاقة الأوروبي. كما أن الاعتماد على شرق المتوسط يقلل من المخاطر المرتبطة بالاضطرابات في طرق التجارة التقليدية عبر روسيا أو الخليج.
تحديات قائمة
ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات قائمة. فلم يُتخذ بعد قرار استثماري نهائي بشأن البنية التحتية والتمويل، وهو ما قد يؤخر التنفيذ. كما أن ارتفاع الطلب المحلي في مصر قد يضغط على قدرتها على إعادة التصدير. إضافة إلى ذلك، فإن التوترات الإقليمية في شرق المتوسط أو اضطرابات الملاحة العالمية قد تؤثر على استقرار هذه الخطط. لكن إذا تحقق الهدف المعلن لعام 2028، فستكون هذه أول صادرات غاز قبرصية إلى أوروبا عبر مصر، ما يفتح مسارًا جديدًا لإمدادات الطاقة الأوروبية.
تمثل الاستعدادات المصرية الجارية، على قدم وساق، لشحن الغاز القبرصي إلى أوروبا خطوة استراتيجية مزدوجة: فهي من جهة تعزز أمن الطاقة الأوروبي، ومن جهة أخرى تمنح مصر فرصة لتثبيت موقعها كمركز إقليمي للطاقة في شرق المتوسط. ورغم أن التنفيذ الفعلي لن يبدأ قبل نهاية العقد الحالي، فإن الاتفاقيات الموقعة مع قبرص وشركات عالمية كبرى تؤكد أن القاهرة تراهن على الغاز القبرصي كأداة لتعزيز نفوذها الاقتصادي والسياسي في المنطقة، في وقت تتغير فيه موازين الطاقة العالمية بشكل متسارع.