< ترامب وروبيو يلمحان إلى عمل عسكري داخل كوبا.. الدبلوماسية في غرفة الإنعاش
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

ترامب وروبيو يلمحان إلى عمل عسكري داخل كوبا.. الدبلوماسية في غرفة الإنعاش

الرئيس نيوز

لم تكن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو حول كوبا مجرد خطاب سياسي تقليدي أو رسائل انتخابية مكررة، بل بدت لدى عدد من المراقبين وكأنها تمهيد تدريجي لمرحلة أكثر تصعيدًا، تتراوح بين تشديد الخناق الاقتصادي وصولا إلى التلويح بخيارات عسكرية لم تطرح بهذه الحدة منذ أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962. ويأتي ذلك في وقت تعيش فيه كوبا واحدة من أسوأ أزماتها الاقتصادية، مع انهيار متسارع في الخدمات الأساسية وتزايد موجات الهجرة خارج الجزيرة، بما يعيد تشكيل المشهد الاجتماعي والسياسي في هافانا بشكل غير مسبوق منذ عقود، وفقا لتقديرات الخبراء في تحليل لهيئة الإذاعة البريطانية.

روبيو يضع كوبا في قلب المواجهة الأيديولوجية

بصفته أحد أبرز الأصوات المتشددة في إدارة ترامب، صعد ماركو روبيو من لهجته تجاه هافانا بشكل لافت، متجاوزًا الخطاب الدبلوماسي التقليدي إلى توصيف سياسي حاد يضع كوبا ضمن ما وصفه بـ"محور أنظمة القمع" في أمريكا اللاتينية، إلى جانب فنزويلا ونيكاراجوا. ولمح روبيو إلى أن الولايات المتحدة تبقى جميع الخيارات على الطاولة في تعاملها مع هذه الأنظمة، في إشارة فهمت على نطاق واسع على أنها تشمل أدوات ضغط تتجاوز العقوبات الاقتصادية التقليدية.

تزامن ذلك مع نقاشات داخل دوائر صنع القرار حول إعادة تموضع الوجود العسكري الأمريكي في البحر الكاريبي، وهو ما أثار قلقًا متزايدًا في الإقليم، خصوصًا لدى دول تعتمد اقتصاديًا على الاستقرار الإقليمي وحركة التجارة البحرية.

ترامب وإحياء منطق القوة الصلبة

في ولايته الثانية، بدا ترامب أكثر ميلا لاستخدام لغة الضغط المباشر تجاه كوبا، ملوحا في أكثر من مناسبة بأن صبر واشنطن تجاه النظام في هافانا قد وصل إلى حدوده القصوى. وتشير تسريبات من دوائر سياسية قريبة من الإدارة إلى وجود نقاشات حول تعزيز الحضور البحري الأمريكي في محيط فلوريدا، إلى جانب أدوات ضغط غير مباشرة تستهدف الداخل الكوبي عبر تشديد القيود المالية ودعم قنوات إعلامية معارضة. ويرى مراقبون أن هذا النهج يعيد إلى الواجهة مفهوم "الدبلوماسية القسرية" القائمة على الجمع بين الضغط الاقتصادي واستعراض القوة، في محاولة لدفع التغيير السياسي دون الدخول في حرب مفتوحة، مع إبقاء كل السيناريوهات قيد الاستخدام كأوراق تفاوضية.

هافانا بين أزمة داخلية خانقة وضغط خارجي متصاعد

تعيش كوبا وضعا داخليا بالغ التعقيد، حيث تعاني البلاد من أزمة اقتصادية ممتدة انعكست في انقطاعات كهرباء واسعة النطاق، ونقص حاد في المواد الغذائية والدوائية، وتراجع واضح في القدرة الشرائية للعملة المحلية. كما تشهد الجزيرة موجات هجرة غير مسبوقة منذ عقود، تعيد إلى الأذهان فترات الانفجار الاجتماعي في تاريخها الحديث، خصوصًا خلال تسعينيات القرن الماضي بعد انهيار الدعم السوفيتي.

هذا التدهور الداخلي يجعل النظام أكثر هشاشة أمام أي ضغط خارجي إضافي، سواء كان اقتصاديًا أو سياسيًا أو عسكريًا محدودًا، ويزيد من حدة التوتر حول مستقبل الاستقرار في الجزيرة، وسط مخاوف من انفجار اجتماعي مفاجئ.

بين التصعيد السياسي وحدود الخيار العسكري

رغم التصعيد في الخطاب، يشكك عدد كبير من المحللين الاستراتيجيين في أن تكون هذه التصريحات مقدمة فعلية لعمل عسكري مباشر. فالتدخل العسكري في كوبا يحمل كلفة سياسية ودبلوماسية مرتفعة للغاية، وقد يفتح الباب أمام مواجهة إقليمية معقدة، ويمنح خصوم واشنطن الدوليين أدوات دعائية قوية. كما أن الانقسام داخل المؤسسات الأمريكية، إضافة إلى غياب دعم شعبي واسع لأي مغامرة عسكرية جديدة في المنطقة، يجعل سيناريو الحرب المباشرة أقل ترجيحا في المدى القريب. لذلك، يميل كثيرون إلى اعتبار هذا الخطاب جزءًا من أدوات الضغط السياسي وتشكيل المواقف أكثر من كونه خطة تنفيذية جاهزة، مع إبقاء احتمالات التصعيد المحدود أو غير المباشر واردة في الحسابات الاستراتيجية.

وتبقى كوبا ورقة ضغط حساسة في يد واشنطن، يعاد تحريكها كلما اشتدت المواجهات السياسية في الإقليم، لكن تحويلها إلى مواجهة فعلية يبقى قرارا معقدا تحكمه شبكة واسعة من الحسابات الدولية والإقليمية التي لم تحسم بعد، بين رغبة الردع ومخاطر الانفجار غير المحسوب.