< المشاريع الإسرائيلية في القدس.. هل هي تطوير عمراني أم تهويد للمدينة؟
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

المشاريع الإسرائيلية في القدس.. هل هي تطوير عمراني أم تهويد للمدينة؟

الرئيس نيوز

في القدس، لا تبدو مشاريع البناء مجرد خطط عمرانية عادية، بل هي جزء من معركة مفتوحة على الهوية والرواية والسيادة، فمنذ احتلال إسرائيل للقدس الشرقية عام 1967، تحولت المدينة إلى ساحة دائمة لإعادة تشكيل الجغرافيا والسكان والمعالم التاريخية، عبر سلسلة متواصلة من مشاريع التوسعة الاستيطانية، وشق الطرق، والحفريات الأثرية، وإعادة تنظيم الأحياء. 

وبينما تصف إسرائيل هذه التحركات بأنها جهود لتطوير العاصمة وتحديث بنيتها التحتية، يرى الفلسطينيون أن ما يجري هو عملية تغيير تدريجية تستهدف الطابع العربي والإسلامي للمدينة، وتهدف إلى فرض واقع جديد يصعب التراجع عنه مستقبلًا.

الحفريات الأثرية في البلدة القديمة والجدل الدولي

في قلب البلدة القديمة، تتصدر الحفريات الأثرية المشهد باعتبارها أحد أكثر الملفات حساسية، إذ تواصل إسرائيل منذ سنوات تنفيذ أعمال تنقيب واسعة قرب المسجد الأقصى وأسفل أجزاء من البلدة القديمة، تحت عنوان البحث التاريخي والكشف عن آثار تعود إلى حقب يهودية قديمة. 

لكن هذه الأعمال تواجه انتقادات دولية متكررة، خصوصًا من منظمة اليونسكو، التي حذرت أكثر من مرة من تأثير الحفريات على الطابع التاريخي والديني للمدينة القديمة، إضافة إلى المخاطر الهندسية المحتملة على الأبنية المحيطة. 

وفي المقابل، تستخدم المؤسسات الإسرائيلية نتائج هذه الحفريات لتعزيز الرواية التاريخية اليهودية للقدس، ما يمنح الملف بعدًا سياسيًا يتجاوز حدود العمل الأثري التقليدي، وفقًا لليونسكو.

مشروع E1.. مخطط يهدد التواصل الجغرافي الفلسطيني

وفي شرق القدس، يظل مشروع E1 أحد أكثر المخططات إثارة للقلق الدولي. يستهدف المشروع ربط مستوطنة معاليه أدوميم بالقدس عبر حزام عمراني استيطاني واسع، وهو ما يعني فعليًا فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها، وتقويض أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا. 

وعلى مدار سنوات، واجه المشروع اعتراضات أوروبية وأمريكية متكررة باعتباره تهديدًا مباشرًا لحل الدولتين، إلا أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة واصلت الدفع به تدريجيًا عبر توسيع البنية التحتية وشبكات الطرق والمناطق السكنية المحيطة، وفقًا لتحليل صحيفة واشنطن بوست الأمريكية.

سياسة الهدم والبناء وتفاقم الفجوة الميدانية

أما على الأرض، فتبدو سياسة الهدم والبناء الوجه الأكثر وضوحًا للصراع الدائر في المدينة. ففي أحياء فلسطينية عدة، تواجه العائلات أوامر هدم متكررة بحجة البناء دون ترخيص، في وقت تؤكد فيه منظمات حقوقية أن الحصول على تراخيص بناء للفلسطينيين يكاد يكون مستحيلًا بسبب القيود البلدية والإدارية. 

وفي المقابل، تتوسع المستوطنات اليهودية بوتيرة متسارعة داخل القدس الشرقية ومحيطها، وقد تحوّل حي الشيخ جراح إلى رمز عالمي لهذه الأزمة، بعدما أثارت محاولات إخلاء عائلات فلسطينية منه موجة احتجاجات واسعة وتصعيدًا سياسيًا وأمنيًا امتدت تداعياته إلى قطاع غزة عام 2021، وفقًا لمنظمة هيومن رايتس ووتش.

الإطار القانوني الدولي لوضع القدس الشرقية

قانونيًا، لا يزال المجتمع الدولي يعتبر القدس الشرقية أرضًا محتلة، ويرفض الاعتراف بضمها إلى إسرائيل، وتؤكد قرارات الأمم المتحدة المتعاقبة أن جميع الإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى تغيير التركيبة السكانية أو الوضع القانوني للمدينة تفتقر إلى الشرعية الدولية.

كما شددت محكمة العدل الدولية في آرائها الاستشارية الأخيرة على أن الأنشطة الاستيطانية والإجراءات أحادية الجانب في الأراضي المحتلة تخالف قواعد القانون الدولي واتفاقيات جنيف المتعلقة بحماية المدنيين تحت الاحتلال.

فجوة التنمية وإعادة تشكيل الواقع الحضري

لكن جوهر القضية يتجاوز القوانين والخرائط إلى سؤال أعمق يتعلق بمن يستفيد فعلًا من مشاريع التطوير المعلنة، فبينما تشهد الأحياء الاستيطانية توسعًا كبيرًا في الخدمات والبنية التحتية والمواصلات، تعاني أحياء فلسطينية عديدة من نقص مزمن في المدارس والطرق وشبكات الصرف والخدمات البلدية. 

وتقول منظمات حقوقية إسرائيلية وفلسطينية إن فجوة الإنفاق والخدمات بين شطري المدينة تكشف أن ما يجري ليس مشروع تحديث متوازن، بل سياسة تهدف إلى ترسيخ واقع ديموغرافي وسياسي جديد في القدس عبر العمران والقانون والإدارة في آن واحد، وفقًا لمركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة (بتسيلم).