اتهامات فساد ضخمة تطال زوجة زيلينسكي.. ما القصة؟
بينما تواصل أوكرانيا الحرب المفتوحة مع روسيا، تتشكل داخل كييف جبهة مختلفة تماما، لا تسمع فيها صفارات الإنذار ولا هدير الصواريخ، لكنها قد تكون أكثر حساسية بالنسبة للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. فخلال الأشهر الأخيرة، تحولت تحقيقات فساد ضخمة داخل قطاع الطاقة والعقارات إلى قضية سياسية شديدة الانفجار، بعدما اقتربت من الدائرة الأكثر التصاقا بالرئيس، ووصلت بصورة غير مباشرة إلى اسم السيدة الأولى أولينا زيلينسكا، وفقا لمجلة ذا سبيكتيتور البريطانية.
الفضيحة تبدأ من قطاع الطاقة
البداية جاءت أواخر عام 2025، عندما نفذ المكتب الوطني لمكافحة الفساد في أوكرانيا سلسلة مداهمات واسعة استهدفت مسؤولين وشركات مرتبطة بقطاع الطاقة، وخلال العمليات، عثر المٌحققون على مبالغ ضخمة من العملات الأجنبية مُخبأة داخل حقائب وخزائن خاصة، في مشهد أثار صدمة بالشارع الأوكراني الذي يعيش ظروف حرب قاسية منذ سنوات.
ومع توسع التحقيقات، وجهت اتهامات إلى عدد من المسؤولين ورجال الأعمال في قضية وصفتها وسائل إعلام أوكرانية بأنها واحدة من أكبر شبكات الفساد المالي منذ بداية الحرب الروسية، كما أقيل وزراء ومسؤولون بارزون، بينهم شخصيات شغلت مواقع حساسة داخل الحكومة.
صديق زيلينسكي القديم في دائرة الاتهام
وذكرت صحيفة كييف إندبندنت أن التحقيقات قادت لاحقا إلى رجل أعمال بارز يعد من أقدم المقربين من الرئيس زيلينسكي، إذ تعود العلاقة بينهما إلى فترة العمل الفني والإعلامي قبل دخول السياسة، عندما شاركا في تأسيس شركة “كفارتال 95” الشهيرة للإنتاج التلفزيوني.
ووفقا لتقارير أوكرانية وغربية، غادر رجل الأعمال البلاد قبل ساعات فقط من تنفيذ مداهمة أمنية لمنزله، ما فتح باب التكهنات حول احتمال تسريب معلومات مسبقة له بشأن العملية. وتشير تقارير متعددة إلى أنه توجه إلى إسرائيل بعد خروجه من أوكرانيا، بينما استمرت التحقيقات بحقه غيابيا.
كيف ظهر اسم زوجة زيلينسكي؟
لكن القضية أخذت منحى أكثر حساسية عندما ظهرت تقارير تربط بين شبكة الفساد ومشروع عقاري فاخر قرب كييف. وكشفت وسائل إعلام استقصائية أوكرانية أن أربعة منازل فخمة كانت قيد الإنشاء داخل مجمع سكني مغلق مخصص لشخصيات نافذة ومقربة من السلطة.
وبحسب ما نشرته صحيفة “أوكراينسكا برافدا”، فإن اسم أولينا زيلينسكا لم يظهر كمتهمة مباشرة في قضايا أو ممارسات فساد، إلا أن التحقيقات أشارت إلى وجود روابط اجتماعية وعائلية مع أحد أبرز المتهمين في القضية، وهو ما دفع المعارضة إلى المطالبة بتوضيحات رسمية من الرئاسة الأوكرانية.
كما أثارت تسجيلات مسربة جدلا واسعا بعد تداول اسم “فوفا”، وهو الاسم المختصر المتداول لفلاديمير، في أحاديث مرتبطة بملكية غير مباشرة لبعض الأصول والعقارات. ورغم عدم وجود دليل قضائي يربط الرئيس شخصيا بالقضية، فإن التسريبات غذت الشكوك السياسية والإعلامية داخل أوكرانيا وخارجها، وفقا لصحيفة أوكراينسكا برافدا.
قلق غربي من تأثير الفساد
أثارت الفضيحة اهتماما واسعا في العواصم الغربية الداعمة لكييف، خاصة أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يقدمان مساعدات مالية وعسكرية بمليارات الدولارات لأوكرانيا منذ اندلاع الحرب. وتخشى دوائر غربية من أن تؤدي قضايا الفساد المتكررة إلى تقويض الثقة في الحكومة الأوكرانية، خصوصا مع تصاعد الأصوات داخل أوروبا وأمريكا المطالبة بتشديد الرقابة على الأموال والمساعدات المرسلة إلى كييف.
واعتبرت صحف غربية عدة أن زيلينسكي يواجه الآن أصعب اختبار سياسي منذ بداية الحرب، لأن القضية لا تتعلق بمسؤولين عاديين، بل بأشخاص من دائرته المقربة الذين صعدوا معه منذ سنوات ما قبل الرئاسة.
صمت رئاسي يثير التساؤلات
وحتى الآن، لم يصدر عن الرئاسة الأوكرانية رد تفصيلي مباشر على معظم الاتهامات والتسريبات المتداولة، وهو ما وصفه معارضون بأنه “صمت مقلق”، وطالبت شخصيات سياسية وبرلمانية بفتح تحقيق شفاف ومستقل يشمل جميع الأسماء الواردة في التسجيلات، وفقا لبلومبرج.
في المقابل، يرى مؤيدو الحكومة أن بعض ما يتم تداوله يخضع لحملات تضليل إعلامي روسية تهدف إلى ضرب صورة القيادة الأوكرانية أمام الرأي العام الغربي، خاصة مع اقتراب جولات جديدة من النقاشات حول تمويل الحرب.
وبالفعل، كشفت تقارير متخصصة في تتبع حملات التضليل أن منصات موالية لروسيا ضخمت بعض الروايات المتعلقة بزوجة زيلينسكي، وروجت مزاعم تبين لاحقا أن بعضها غير دقيق أو يفتقر للأدلة.
اختبار مصيري لكييف
القضية باتت تمثل تحديا مزدوجا لأوكرانيا. فمن جهة، تحاول البلاد الحفاظ على تماسكها العسكري والسياسي في مواجهة روسيا، ومن جهة أخرى تواجه ضغوطا غربية متزايدة لإثبات الجدية في مكافحة الفساد داخل مؤسسات الدولة، ومع استمرار التحقيقات، يبقى السؤال الأكثر حساسية مطروحا داخل كييف وخارجها: هل تملك السلطات الأوكرانية استعدادا فعليا لفتح كل الملفات، حتى لو اقتربت من الدائرة المحيطة بالرئيس نفسه.