< فخ ثيوسيديدس.. كواليس الزيارة التي كشفت ضعف ترامب أمام "ثقة" الصين
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

فخ ثيوسيديدس.. كواليس الزيارة التي كشفت ضعف ترامب أمام "ثقة" الصين

الرئيس نيوز

لم تكن زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى بكين مجرد قمة ثنائية عادية بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم، بل بدت لكثير من المراقبين لحظة رمزية تختصر تحولا عميقا في ميزان القوة العالمي. فالرجل الذي عاد إلى البيت الأبيض متعهدا بإخضاع الصين اقتصاديا وتجاريا، وجد نفسه في قلب العاصمة الصينية محاطا بمشهد سياسي مختلف تماما: بكين أكثر ثقة، وواشنطن أكثر استعجالا، وشي جين بينج يتصرف باعتباره زعيم قوة صاعدة تعرف جيدا أن الوقت يعمل لصالحها، وفقا لمجلة ذا أتلانتيك.

الزيارة، وهي الأولى بهذا الحجم منذ سنوات طويلة من التوترات التجارية والتكنولوجية بين البلدين، جاءت مثقلة بالملفات الساخنة: الحرب الإيرانية، الرسوم الجمركية، صادرات المعادن النادرة، رقائق الذكاء الاصطناعي، تايوان، ومستقبل النظام التجاري العالمي. لكن ما خرج به ترامب في النهاية بدا أقل بكثير مما كان يأمله البيت الأبيض قبل أشهر قليلة فقط.
 

حفاوة بروتوكولية ورسائل قاسية

حرصت بكين على منح ترامب استقبالًا فخمًا يليق برئيس أمريكي، في مشهد أعاد صور القمم الكبرى بين القوتين العظميين. غير أن الحفاوة الصينية لم تُخفِ الصلابة السياسية التي تعامل بها شي جين بينج خلف الأبواب المغلقة.

فمنذ الاجتماعات الأولى، وجه الرئيس الصيني تحذيرا مباشرا بشأن تايوان، معتبرا أن القضية تمثل "الخط الأحمر" الأخطر في العلاقات الصينية الأمريكية. وأبلغ ترامب بوضوح أن سوء إدارة الملف قد يدفع البلدين إلى "التصادم أو النزاع"، في واحدة من أكثر الرسائل الصينية صراحة تجاه واشنطن منذ سنوات.

المفارقة أن هذه اللهجة الحادة جاءت بينما كان ترامب يغدق المديح على مضيفه، واصفا شي بأنه "صديق حقيقي" وشخص يكن له "احتراما عميقا". وبدا المشهد بالنسبة لكثير من المحللين وكأن الرئيس الأمريكي يحاول الحفاظ على أجواء ودية في وقت كانت فيه بكين تتحدث بلغة القوة والثقة بالنفس.

ترامب جاء يطلب.. والصين لم تمنح شيئا مجانيا

دخل ترامب القمة وهو يبحث عن إنجازات يمكن تسويقها داخليا قبل انتخابات التجديد النصفي المقبلة. الإدارة الأمريكية كانت تأمل في تحقيق اختراق تجاري، أو الحصول على تعاون صيني أكبر في ملف إيران، أو حتى انتزاع تفاهمات حول المعادن النادرة والتكنولوجيا.

لكن النتائج العملية جاءت محدودة للغاية. فلم تُعلن اتفاقيات كبرى، ولم يحدث اختراق واضح في ملف الرسوم الجمركية، كما لم تُبدِ بكين استعدادا لتقديم تنازلات مجانية في القضايا الاستراتيجية الحساسة. وحتى في الملف الإيراني، اكتفت الصين بتكرار مواقفها التقليدية الداعية إلى التهدئة والحلول الدبلوماسية دون منح ترامب دعما سياسيا واضحا.

ويرى محللون أن المشكلة الأساسية كانت في اختلاف حسابات الطرفين. فترامب يتحرك وفق إيقاع انتخابي سريع يبحث عن مكاسب فورية وصور انتصار إعلامية، بينما يدير شي جين بينج المواجهة بعقلية طويلة الأمد، تقوم على استنزاف النفوذ الأمريكي تدريجيا وانتظار لحظة التحول التاريخي في موازين القوة.
 

الصين الجديدة.. ثقة لم تكن موجودة قبل سنوات

ما كشفته القمة فعليا ليس فقط ضعف نتائج ترامب، بل حجم التحول الذي طرأ على الصين نفسها. ففي عام 2017 كانت بكين تتعامل بحذر بالغ مع أي تهديد أمريكي بزيادة الرسوم الجمركية، أما اليوم فتبدو القيادة الصينية أكثر استعدادا لتحمل الضغوط الاقتصادية والمواجهة التكنولوجية وحتى التوتر العسكري حول تايوان.

وقبيل الزيارة نفسها، اتخذ ترامب خطوات اعتبرها مراقبون مؤشرا على هذا التحول في ميزان الثقة، من بينها تعليق صفقة أسلحة ضخمة لتايوان والموافقة على تخفيف بعض القيود المتعلقة ببيع رقائق الذكاء الاصطناعي الأمريكية للصين. واعتبر محللون أن هذه القرارات عكست تراجعا عمليا عن نهج المواجهة الاقتصادية الصارمة الذي تبناه ترامب في بداية ولايته.
 

شي يسمح بالسخرية من ترامب

الرسائل الصينية لم تقتصر على السياسة الرسمية فقط، بل امتدت إلى المشهد الإعلامي والرقمي داخل الصين. فبحسب تقارير أمريكية، سمحت السلطات الصينية هذه المرة بتداول تعليقات ساخرة وانتقادات لترامب عبر الإنترنت المحلي دون تدخل واسع لحذفها أو قمعها، وهو أمر نادر الحدوث خلال زيارات رؤساء الدول.

ورأى مراقبون أن السماح بهذا الهامش من السخرية يحمل دلالة سياسية مهمة: بكين لم تعد تشعر بالحاجة إلى إظهار الحذر المفرط تجاه صورة الرئيس الأمريكي، كما كان يحدث في مراحل سابقة كانت فيها الصين أكثر قلقا من ردود الفعل الأمريكية.
 

"فخ ثيوسيديدس".. سؤال القوة والأفول

خلال القمة أعاد شي جين بينج التذكير بمفهوم "فخ ثيوسيديدس"، وهو المفهوم الذي يستخدم لوصف احتمالات الصدام بين قوة عالمية مهيمنة وأخرى صاعدة. الرسالة الصينية كانت واضحة: بكين ترى نفسها اليوم في موقع يسمح لها بمنافسة واشنطن على قيادة النظام العالمي، سواء في التكنولوجيا أو التجارة أو النفوذ الجيوسياسي.

 

وفي هذا السياق، بدا ترامب بالنسبة لكثير من المحللين رئيسا يحاول وقف مسار تاريخي أكبر من قدرته على التحكم فيه. فبينما كان يسعى لإثبات استمرار الهيمنة الأمريكية، كانت بكين تتعامل معه باعتباره رئيسا يقترب من نهاية صلاحيته السياسية، وزعيما لدولة تواجه للمرة الأولى منذ عقود أسئلة حقيقية حول مستقبل تفوقها العالمي.