< كوريا هيرالد: مناورات ترامب الجيوسياسية الخطيرة تصطدم بجدار مع إيران
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

كوريا هيرالد: مناورات ترامب الجيوسياسية الخطيرة تصطدم بجدار مع إيران

الرئيس نيوز

في تحليلها للأزمة المتصاعدة في الشرق الأوسط، سلطت صحيفة كوريا هيرالد الضوء على الانسداد الدبلوماسي الراهن بين واشنطن وطهران، معتبرة أن استراتيجية "الدبلوماسية القسرية" التي ينتهجها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد وصلت إلى طريق مسدود في مايو 2026، بعد 11 أسبوعًا من المواجهة الشرسة في مضيق هرمز. 

وأشارت الصحيفة إلى وجود فجوة عميقة بين الطرفين؛ فبينما يصر ترامب على الخروج بصورة "المنتصر المطلق" الذي يفرض استسلامًا غير مشروط، تصطدم هذه الرغبة بعقلية القيادة الإيرانية الحاكمة التي ترفض تمامًا الظهور بموقف المستسلم أمام جمهورها المحلي، وتعتبر مجرد الصمود والنجاة من الضربات العسكرية العنيفة انتصارًا بحد ذاته.

وخلال عامه الأول بعد عودته المثير للجدل إلى البيت الأبيض، نجح أسلوب التفاوض الصاخب والبلدوزر الدبلوماسي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في انتزاع تنازلات ملموسة من قوى دولية عدة، في ملفات شائكة تراوحت بين الحروب التجارية المشتعلة والنزاعات المسلحة الإقليمية. لكن حين يتعلق الأمر بطهران، يبدو أن استراتيجية "الدبلوماسية القسرية" القائمة على التهديدات العلنية، والإهانات الشخصية، والإنذارات النهائية، قد ارتطمت بجدار مسدود، مهددة بتقويض مساعيه الذاتية لإنهاء صراع بات يهز أركان الاقتصاد العالمي وشرايين الطاقة الحيوية.

أزمة الـ 11 أسبوعا وسقف المطالب المرتفع

مع وصول الجانبين إلى أفق سياسي مغلق، تبدو علامات الإحباط واضحة على تصريحات ترامب إزاء أزمة مضيق هرمز المستمرة منذ 11 أسبوعًا، دون أن يبدي أي مرونة لتخفيف وطأة هجومه اللفظي القاسي ضد القادة الإيرانيين. هذا التعنت المتبادل لا يبشر بتسوية دبلوماسية قريبة، بل يذكي المخاوف الدولية من أن تتحول هذه المواجهة الحالية ــ وما أحدثته من صدمة غير مسبوقة لإمدادات النفط العالمية ــ إلى استنزاف ممتد تشوبه نوبات دورية من سياسة حافة الهاوية الكارثية.

ويرى المحللون السياسيون أن العقبة تكمن في سيكولوجية وعقلية الحكام في طهران؛ إذ تحكمهم حاجة وجودية لـ "حفظ ماء الوجه" أمام تيارهم الداخلي، على الرغم من أن الضربات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية المشتركة نجحت بالفعل في اغتيال العديد من كبار القادة العسكريين والسياسيين، وأضعفت بشكل ملحوظ القدرات الدفاعية والهجومية للجمهورية الإسلامية. ورغم تلك الخسائر، حافظت إيران عمليًا على قبضتها الخانقة على مضيق هرمز الاستراتيجي، وهو ما يمنحها أوراق ضغط ونفوذ اقتصادي هائل في مواجهة شروط ترامب المتصلبة وإشاراته السياسية المتناقضة.

فخ الانتصار المطلق والضغط الداخلي

ما يعيق التوصل إلى صيغة اتفاق معقول هو إصرار ترامب الشخصي على إخراج المشهد الختامي للصراع في صورة "انتصار أمريكي مطلق وسحق كامل للخصم" ــ حتى وإن كان الواقع الميداني يثبت عكس ذلك ــ ومطالبته للإيرانيين بقبول هزيمة علنية تامة، وهو أمر يستحيل على النظام الإيراني تجرعه. وفي هذا السياق، يعلق روب مالي، المفاوض الأمريكي السابق للملف الإيراني في إدارتي أوباما وبايدن: "هذا النهج الاستعلائي يحول دون صياغة تسوية واقعية؛ فلا توجد حكومة في العالم، وليس إيران فحسب، يمكنها تحمل التوقيع على صك استسلام علني ومذل".

يتزامن هذا الانسداد الدبلوماسي مع تنامي الضغوط الداخلية على كاهل ترامب؛ حيث يواجه تراجعًا ملحوظًا في معدلات شعبيته بسبب القفزات القياسية في أسعار البنزين بالأسواق الأمريكية، والناتجة مباشرة عن حرب الطاقة الدائرة، وهو ما يضع الحزب الجمهوري في موقف حرج للغاية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر المقبل. وفي المقابل، دافعت المتحدثة باسم البيت الأبيض، أوليفيا ويلز، عن تكتيكات الرئيس، مؤكدة أن ترامب "مفاوض بارع يمتلك سجلًا حافلًا بالنجاح في إبرام الصفقات"، وزعمت أن الجانب الإيراني يمر بحالة "يأس" متزايدة تدفعه لطلب الاتفاق.

تهديدات ارتجالية وسيناريوهات الردع النووي

بلغت حدة التوتر ذروتها الشهر الماضي، عندما أطلق ترامب تهديدًا بـ "محو الحضارة الإيرانية" عبر منصات التواصل الاجتماعي ما لم تمتثل طهران للشروط الأمريكية؛ وهي رسالة أكد مسؤولو الإدارة لصحيفة وول ستريت جورنال أنها جاءت ارتجالية بالكامل دون تنسيق مع أجهزة الأمن القومي.

وعلى الرغم من قبوله بهدنة مؤقتة لاحقًا، إلا أن ترامب عاد ليكرر تهديداته الصادمة التي أطلقها يوم أحد الفصح بتدمير شبكات الكهرباء والجسور الإيرانية. وأثناء عودته على متن طائرة الرئاسة يوم الجمعة الماضي عقب زيارته إلى بكين، صرح للصحفيين بنبرة حملت تلميحات نووية مرعبة قائلًا: "ستعرفون أن وقف إطلاق النار قد انهار إذا رأيتم توهجًا كبيرًا ينبعث من إيران"، ورغم التفسيرات التي رأت في ذلك تهديدًا بسلاح غير تقليدي، شدد ترامب لاحقًا على أنه لن يقدم على خطوة كهذه.

ولم يوفر ترامب قاموس الشتائم السياسية، واصفًا قادة طهران بـ "الأوغاد المجانين" و"المختلين"، في حين ردت الآلة الإعلامية الإيرانية بحملة سخرية واسعة عبر شبكات التواصل الاجتماعي مستهدفة شخص الرئيس الأمريكي. وبحسب مصادر مطلعة من داخل البيت الأبيض، لم تبذل أي جهود لإقناع ترامب بضبط النفس في تصريحاته التي تصدر غالبًا بعد منتصف الليل عبر منصته "تروث سوشيال"، والتي تسببت إحداها في كسر هدنة هشة عقب إعلانه المفاجئ عن حصار الموانئ الإيرانية.

قراءة في الفشل البنيوي لـ "صانع الصفقات"

يرى الخبراء، ومنهم دينيس روس المستشار السابق لشؤون الشرق الأوسط، أن "افتقار الرئيس للصبر الاستراتيجي وتناقض خطابه المستمر يحبطان الفائدة المرجوة من أوراق الضغط الأمريكية". فرغم نجاح تكتيك ترامب القائم على عدم التنبؤ وإرباك الخصوم في ملفات مثل فرض التعريفات الجمركية أو التدخل الخاطف في فنزويلا وإبرام هدنة غزة العام الماضي، إلا أن هندسة النظام الديني والعسكري في إيران المستندة إلى إرث تاريخي وقومي طويل تجعلها عصية على هذا النوع من الابتزاز.

بل يرى نيت سوانسون، المسؤول السابق في فريق المفاوضات التابع للخارجية الأمريكية، أن الضغط المفرط أتى بنتائج عكسية؛ إذ عزز موقف الجناح الأكثر راديكالية وتشددًا في القيادة الإيرانية الجديدة، وخاصة بعد تعرض طهران لضربات أمريكية متتالية خلال فترات التفاوض العام الماضي، مما أفقدها الثقة بالكامل في نوايا واشنطن.

وتحذر باربرا ليف، المبعوثة السابقة للشرق الأوسط، من أن حملة ترامب تعاني من "افتراض ساذج بأن معالجة الملف الإيراني تشبه أزمة فنزويلا، مع سوء فهم تام لمدى قدرة النظام الإيراني على الصمود واستيعاب الصدمات".

صراع الساعات المتباينة وعين على بكين

علاوة على ذلك، يصطدم الطرفان بمعضلة "توقيت المفاوضات"؛ فبينما يبحث ترامب المندفع عن صفقة استعراضية سريعة ليطوي الملف، يمتلك الدبلوماسيون الإيرانيون نفسًا طويلًا وتاريخًا معروفًا في إطالة أمد المحادثات واستهلاك الوقت والانتظار حتى انتهاء الولاية الرئاسية لخصمهم، وهو ما اعتبره تريتا بارسي، نائب رئيس معهد كوينسي، يصب تمامًا في مصلحة طهران التي تفسر تقلبات ترامب كإشارة ضعف ويأس.

خلال محطته الأخيرة في بكين، خفف ترامب مؤقتًا من حدة هجومه اللفظي على إيران مراعاةً للصين، الحليف الاقتصادي والمستورد الرئيس للنفط الإيراني، وسط آمال دولية بأن يسهم العملاق الآسيوي في كبح جماح التصعيد. إلا أن الخلاصة الحالية تشير إلى أن دبلوماسية ترامب الهجومية قد تدفع طهران في نهاية المطاف نحو الخيار الشمشوني: الإسراع في إنتاج قنبلة نووية كرادع نهائي على غرار النموذج الكوري الشمالي لحماية نفسها، مما يعني أن مناورات واشنطن "الخطيرة" قد تنتهي بتحقيق أسوأ كوابيسها الاستراتيجية.