فرنسا تفتح تحقيقًا بشأن شبهات تدخل شركة إسرائيلية في الانتخابات البلدية
فتحت السلطات الفرنسية تحقيقًا موسعًا بشأن شبهات تدخل شركة إسرائيلية في حملات تأثير رقمي استهدفت مرشحين من اليسار خلال الانتخابات البلدية الأخيرة، في قضية أثارت جدلًا سياسيًا وإعلاميًا واسعًا داخل فرنسا مع تصاعد المخاوف من التدخلات الأجنبية في الحياة الديمقراطية الأوروبية، وفقا لصحيفة لوفيجارو الباريسية.
وتركز التحقيقات على شركة تعرف باسم "بلاك كور" يشتبه في تورطها بإدارة حملات تشويه إلكترونية ضد مرشحين من حزب "فرنسا الأبية" اليساري، عبر مواقع مضللة وحسابات وهمية وإعلانات رقمية تتضمن اتهامات وسرديات مثيرة للجدل.
وأشارت منصة يورو أكتيف، إلى أن الحملة استهدفت عددًا من الشخصيات اليسارية البارزة في مدن فرنسية عدة، من بينها مارسيليا وتولوز وروبيه، في وقت كانت فيه الساحة السياسية الفرنسية تشهد استقطابا حادا قبل الانتخابات المحلية.
كما أفادت بلومبرج بأن منصات رقمية كبرى، بينها ميتا وجوجل وتيك توك، رصدت نشاطًا مرتبطًا بحملات تضليل منسقة، ما دفع بعضها إلى حذف حسابات ومحتويات مرتبطة بالعملية المشتبه بها.
وتحقق أجهزة الاستخبارات الفرنسية حاليًا في الجهة التي قد تكون مولت أو كلفت بهذه العمليات، بينما لم تتمكن التقارير من تحديد البنية القانونية الدقيقة للشركة أو مكان تسجيلها بشكل مؤكد، كما اختفت صفحات الشركة الإلكترونية وحساباتها المهنية بعد تصاعد القضية إعلاميًا.
استخدام أدوات التأثير الرقمي للتأثير على الانتخابات
وأعادت القضية إلى الواجهة المخاوف الأوروبية من استخدام أدوات التأثير الرقمي والحملات السيبرانية للتأثير على الانتخابات والرأي العام، خصوصًا مع اقتراب الاستحقاقات الرئاسية الفرنسية المقبلة عام ٢٠٢٧، وسط أجواء سياسية شديدة الاستقطاب بين اليمين واليسار.
ويواجه حزب "فرنسا الأبية" جدلا داخليا وخارجيا منذ أشهر بسبب مواقفه من الحرب في غزة واتهامات يرفضها تتعلق بالتطرف ومعاداة السامية، بينما لا يزال يحتفظ بقاعدة شعبية مؤثرة قد تؤهله للعب دور بارز في الانتخابات المقبلة.
ويرجح أن يتحول التحقيق الفرنسي إلى واحدة من أبرز قضايا التدخل الأجنبي في أوروبا خلال السنوات الأخيرة، خاصة إذا أثبتت التحقيقات وجود شبكات منظمة استخدمت تقنيات التضليل الرقمي لاستهداف العملية الديمقراطية الفرنسية والتأثير على المزاج الانتخابي العام.
إعادة تشكيل المزاج السياسي
كما أثارت القضية مخاوف متزايدة داخل الدوائر الأمنية الأوروبية من تحول شركات التأثير الرقمي الخاصة إلى أدوات عابرة للحدود قادرة على إعادة تشكيل المزاج السياسي والتلاعب بالرأي العام عبر حملات دقيقة ومنظمة.
ويعتقد مسؤولون فرنسيون أن ما جرى لا يمثل حادثة معزولة، بل جزءا من نمط أوسع من “حروب المعلومات” التي باتت تستهدف الديمقراطيات الغربية عبر الأخبار المضللة والحسابات الوهمية والتشهير الرقمي المنسق.
وتشير تقارير استخباراتية إلى أن التحقيقات تركز أيضا على الجهات التي موّلت الحملة المحتملة، وسط شكوك بوجود مصالح سياسية أو اقتصادية سعت إلى التأثير في نتائج الانتخابات المحلية الفرنسية وإضعاف قوى اليسار الراديكالي قبل الاستحقاقات الوطنية المقبلة.
انقسامات حادة بسبب الحرب على غزة
وتزداد حساسية القضية في فرنسا بسبب المناخ السياسي المحتقن والانقسامات الحادة المرتبطة بالحرب في غزة والهجرة وصعود اليمين المتطرف، وهي ملفات جعلت الساحة الفرنسية أكثر عرضة للتأثيرات الخارجية والحملات الرقمية المنظمة.
ويرى محللون أوروبيون أن استهداف شخصيات من حزب “فرنسا الأبية” تحديدا لم يكن عشوائيًا، نظرًا إلى مواقف الحزب المؤيدة للفلسطينيين وانتقاداته المتكررة لإسرائيل والسياسات الغربية في الشرق الأوسط.
كما يخشى مسؤولون في باريس من أن تكون الانتخابات الرئاسية المقبلة عام ٢٠٢٧ ساحة مفتوحة لعمليات تأثير أكثر تعقيدًا، خاصة مع التطور السريع لأدوات الذكاء الاصطناعي والتلاعب بالمحتوى الرقمي وصعوبة تتبع الجهات الحقيقية التي تقف خلف تلك الحملات.
نشر اتهامات حساسة تمس السمعة الشخصية
وأشارت مجلة مودرن دبلوماسي إلى أن الحملة المشتبه بها لم تعتمد فقط على الإعلانات المضللة، بل استخدمت أيضا مواقع إلكترونية مجهولة المصدر وصفحات على منصات التواصل الاجتماعي لنشر اتهامات حساسة وشائعات تمس السمعة الشخصية والسياسية للمرشحين المستهدفين.
كما تم تداول رموز رقمية في شوارع بعض المدن الفرنسية تقود المستخدمين مباشرة إلى محتوى تشهيري، في مؤشر على استخدام أساليب هجينة تجمع بين الحملات الرقمية والتحركات الميدانية المنظمة.
ويرى خبراء أمن معلومات أوروبيون أن هذه الأساليب تعكس تطورا واضحا في أدوات “حروب التأثير” الحديثة، حيث أصبحت عمليات التضليل أكثر دقة وقدرة على استهداف فئات انتخابية محددة عبر تقنيات تحليل البيانات والخوارزميات ومنصات التواصل الاجتماعي.