< «بلومبرج»: الأسمدة المصرية ورقة نفوذ اقتصادي تتصاعد قيمتها مع اشتعال أسواق الطاقة
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

«بلومبرج»: الأسمدة المصرية ورقة نفوذ اقتصادي تتصاعد قيمتها مع اشتعال أسواق الطاقة

الرئيس نيوز

وسط اضطرابات غير مسبوقة تضرب أسواق الطاقة العالمية، وجدت الهند نفسها مضطرة إلى توسيع اعتمادها على الأسمدة المصرية، مع تصاعد أزمة الغاز الطبيعي وتعطل إمدادات الغاز المسال القادمة من الشرق الأوسط. ويعكس هذا التحول تغيرا أعمق في خريطة الأمن الغذائي العالمي، حيث أصبحت مصر لاعبا محوريا في سوق اليوريا والأسمدة النيتروجينية خلال واحدة من أكثر الفترات حساسية لقطاع الزراعة العالمي، وفقا لبلومبرج.

الهند تطرق أبواب القاهرة مع اختناق الغاز العالمي

لم تعد الأسمدة سلعة زراعية عادية تتحرك بين الموانئ والأسواق بصمت. ما يجري حاليا يكشف أن حبيبات اليوريا باتت تتحكم في معادلات سياسية واقتصادية تمتد من الخليج إلى جنوب آسيا، بعدما دفعت اضطرابات الغاز الطبيعي الهند إلى البحث بصورة محمومة عن مصادر بديلة تضمن استمرار إنتاج الغذاء لمليار وأربعمئة مليون نسمة. وفي قلب هذه الفوضى، برزت مصر كأحد الأسماء الثقيلة على خريطة الإمدادات العالمية.

وبدأت الأزمة عندما ضربت التوترات العسكرية في الشرق الأوسط خطوط الطاقة وسلاسل الشحن المرتبطة بمضيق هرمز، الشريان الذي تمر عبره كميات ضخمة من الغاز والوقود عالميا. الهند، التي تعتمد بشكل واسع على واردات الغاز القادمة من المنطقة، وجدت نفسها أمام نقص حاد في الإمدادات المخصصة لمصانع الأسمدة، ما دفع بعض المنتجين إلى خفض الإنتاج أو إيقاف وحدات تشغيل مؤقتا.

ومع اتساع الضغوط على السوق الهندية، بدأت نيودلهي اتصالات مباشرة مع عدد من كبار منتجي الأسمدة حول العالم، من بينهم مصر والجزائر وروسيا وإندونيسيا، لتأمين شحنات عاجلة من اليوريا وفوسفات الأمونيوم قبل موسم الزراعة. هذه التحركات لم تكن إجراء احترازيا عاديا، بل محاولة لتجنب اضطراب غذائي واسع قد ينعكس على أسعار الحبوب والأرز والزيوت داخل واحدة من أكبر الدول استهلاكا للأسمدة في العالم.

لكن القصة لا تتعلق بالهند وحدها، وفقا لبلومبرج، بل بسوق عالمية ترتبط فيها أسعار الغذاء مباشرة بأسعار الغاز. فإنتاج اليوريا يعتمد أساسا على الغاز الطبيعي، وأي اضطراب في الإمدادات يعني تلقائيا ارتفاع تكلفة الزراعة حول العالم. لهذا السبب تحولت مصانع الأسمدة إلى ما يشبه خطوط الدفاع الأولى في معركة الأمن الغذائي العالمي، بينما راحت الحكومات تتسابق لتأمين العقود والشحنات قبل انفجار الأسعار بصورة أكبر.

وفي هذا المشهد المضطرب، اكتسبت مصر وزنا استثنائيا. فالقاهرة تمتلك واحدا من أكبر قطاعات إنتاج اليوريا في المنطقة، كما أن موقعها الجغرافي يمنحها ميزة لوجستية مهمة بين الأسواق الأوروبية والآسيوية. ومع تقلص الإمدادات القادمة من بعض المنتجين التقليديين في الخليج، أصبحت الشحنات المصرية محط اهتمام متزايد من المشترين الدوليين الباحثين عن مورد قادر على التسليم السريع والاستقرار النسبي.

المفارقة اللافتة أن مصر نفسها عانت خلال الأشهر الماضية من ضغوط مرتبطة بالطاقة، بعدما أثرت تقلبات الغاز على بعض الصناعات الثقيلة، بما فيها مصانع الأسمدة. لكن القاهرة أعادت ترتيب أولويات الإمدادات واستفادت من تحسن نسبي في تدفقات الغاز، ما سمح باستمرار نشاط عدد من خطوط الإنتاج والتصدير في توقيت شديد الحساسية للسوق الدولية.

وفي الخلفية، تتشكل ملامح أزمة أوسع كثيرا من مجرد نقص في الوقود. فالتقارير الغربية تتحدث عن سباق عالمي على الأسمدة يشبه إلى حد بعيد سباقات الطاقة التي أعقبت الحرب الأوكرانية قبل سنوات. دول آسيوية وأفريقية باتت تخشى أن يؤدي نقص المغذيات الزراعية إلى تراجع المحاصيل وارتفاع أسعار الغذاء، بينما تحاول الحكومات احتواء موجة تضخم جديدة قد تمتد حتى 2027 إذا استمرت الاضطرابات الجيوسياسية الحالية.

وتدرك نيودلهي الهند أن المعركة لم تعد فقط من أجل الغاز، بل من أجل الحفاظ على استقرار المائدة اليومية لمئات الملايين. ومصر تدرك بدورها أن الأسمدة لم تعد صادرات كيميائية تقليدية، بل ورقة نفوذ اقتصادي تعزز قيمتها كلما اشتعلت أسواق الطاقة العالمية.