< مقابلة 60 دقيقة تفضح الانهيار الصامت.. نتنياهو بين التناقضات وفقدان البوصلة
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

مقابلة 60 دقيقة تفضح الانهيار الصامت.. نتنياهو بين التناقضات وفقدان البوصلة

الرئيس نيوز

في ظهوره الأخير عبر برنامج "٦٠ دقيقة" الأمريكي، بدا بنيامين نتنياهو وكأنه يحاول استعادة صورة القائد القادر على الإمساك بإيقاع الحرب ومسار المنطقة، لكن المقابلة نفسها تحولت تدريجيا إلى مساحة كشفت ارتباكا سياسيا أعمق مما أراد إظهاره.

فالسياسي الإسرائيلي المخضرم الذي تحدث بلغة المنتصر عاد بعد دقائق ليقول إن "المهمة لم تنجز"، وإن اليورانيوم الإيراني ما يزال عقبة قوية، وإن المواجهة قد تمتد لسنوات. وبين خطاب الحسم وخطاب الخطر المفتوح، ظهر تناقض واضح كشف أزمة قيادة أكثر مما كشف رؤية استراتيجية متماسكة.

وذكرت صحيفة جيروزاليم بوست أن المقابلة لم تبدو حوارا سياسيا عاديا بقدر ما بدت محاولة دقيقة لإعادة ترميم صورة إسرائيل أمام جمهور أمريكي تتغير مواقفه بسرعة. فعندما طرح ملف تراجع التأييد الشعبي لإسرائيل داخل الولايات المتحدة، لم يقترب نتنياهو كثيرا من صور الدمار في غزة أو التكلفة الإنسانية للحرب، بل اختار الحديث عن حرب إعلامية تقودها المنصات الرقمية ضد إسرائيل. غير أن هذا التفسير بدا بالنسبة لكثير من المراقبين التفافا حول جوهر الأزمة: تآكل الرواية الإسرائيلية داخل الغرب وصعود حالة تشكك غير مسبوقة حتى داخل الأوساط التقليدية الداعمة لتل أبيب.

وفي واحدة من أكثر لحظات المقابلة دلالة، تحدث نتنياهو عن رغبته في إنهاء الاعتماد العسكري المالي على واشنطن خلال عقد واحد، رغم أن إسرائيل تتلقى مساعدات عسكرية أمريكية ضخمة تقدر بنحو ٣٫٨ مليارات دولار سنويا. التصريح بدا لافتا ليس فقط من حيث توقيته، بل من حيث الرسائل التي يحملها. فالرجل يدرك أن العلاقة مع الولايات المتحدة دخلت مرحلة أكثر تعقيدا، وأن الدعم السياسي الأمريكي لم يعد يتمتع بالصلابة القديمة نفسها، خصوصا مع تصاعد الأصوات داخل الكونجرس والجامعات ووسائل الإعلام التي باتت تنظر إلى الحرب بمنظور مختلف تماما عما كان سائدا في السنوات الماضية، وفقا لصحيفة نيويورك بوست.

وحتى خلف كواليس المقابلة، ظهرت إشارات إضافية إلى حساسية المشهد. إذ تحدثت تقارير إعلامية أمريكية عن توتر داخل شبكة الأخبار الأمريكية بعد إسناد المقابلة إلى المراسل ميجور جاريت بدلا من الصحفية المخضرمة ليزلي ستال، في خطوة فسرتها بعض التقارير بأنها محاولة لتجنب مواجهة أكثر حدة مع نتنياهو. وعكس ذلك الجدل حجم الانقسام الذي بات يحيط بأي تغطية تتعلق بإسرائيل وحرب غزة داخل الإعلام الأمريكي نفسه.

وفي مشهد آخر لا يقل دلالة، أشار التقرير إلى أن ظهور نتنياهو لم يكن مجرد اختلاف في المزاج أو الإعداد، بل انعكاس لحالة سياسية أوسع تتجاوز لحظة المقابلة نفسها. فالمشهد الذي ظهر فيه بدا محملا بأثقال حرب طويلة، وبخطاب دفاعي أكثر منه هجومي، مع ميل واضح لتبرير المسار بدل تقديم رؤية جديدة له، وهو ما دفع بعض المعلقين إلى اعتبار المقابلة مؤشرا على مرحلة سياسية لم تعد تمتلك نفس القدرة على إنتاج سردية متماسكة أو مقنعة.

كما لفتت القراءة الإسرائيلية إلى أن ما جرى لم يكن معزولا عن السياق الداخلي في إسرائيل، حيث تتزايد أسئلة المحاسبة حول إدارة الحرب وتداعياتها السياسية. فبدلا من ظهور قائد يمسك بخيوط المشهد، برزت صورة زعيم يواجه ضغطا مركبا بين الداخل والخارج، وبين حرب لم تحسم سياسيا حتى الآن، وعلاقات دولية تتغير قواعدها بوتيرة أسرع من قدرة الخطاب الرسمي على مواكبتها، وفقا لصحيفة هآرتس.

وداخل إسرائيل، استقبلت المقابلة بقراءات متناقضة. وتقول هآرتس إن أنصار نتنياهو رأوا فيها ظهورا هادئا لسياسي يعرف كيف يخاطب الغرب بلغة استراتيجية محسوبة، بينما اعتبرها خصومه محاولة جديدة للهروب إلى المسرح الأمريكي هربا من الأسئلة الداخلية الأكثر قسوة: ماذا بعد الحرب؟ أين ذهبت وعود الحسم؟ ولماذا تبدو إسرائيل بعد كل هذا الوقت أكثر إنهاكا وانقساما؟ حتى النقاشات الإسرائيلية على المنصات الرقمية عكست شعورا متزايدا بأن الحكومة لم تعد تمتلك رواية متماسكة بقدر ما تمتلك قدرة مستمرة على إدارة الأزمات وتأجيل انفجارها السياسي.

لكن المفارقة الأبرز، وفقا لصحيفة معاريف، تكمن في أن نتنياهو حاول خلال المقابلة الظهور بصورة القائد الذي ما يزال يمسك بخيوط المنطقة، لكنه بدا في لحظات كثيرة أسير معادلة أكثر تعقيدا: حرب لا تنتهي بالكامل، نصر لا يكتمل، وتحالفات غربية لم تعد مضمونة كما كانت. وبين هذه التناقضات، خرجت المقابلة بصورة مختلفة تماما عن الهدف المتوقع منها. لم تكشف قوة الثقة بقدر ما كشفت ارتباك المرحلة، ولم تظهر وضوحا استراتيجيا بقدر ما أظهرت قائدا يحاول إبقاء التوازن قائما فوق أرض تتحرك بسرعة تحت قدميه.