فضيحة "جي بي مورجان".. موظف يتهم مديرته بـ"الاستعباد الجنسي" والتخدير بعقار الاغتصاب
بعيدا عن تقلبات الأسواق وحرب إيران وأسعار النفط، تتجه أنظار وول ستريت هذه الأيام إلى قضية صادمة تحولت خلال أسابيع قليلة إلى واحدة من أكثر الفضائح إثارة للجدل داخل القطاع المالي الأمريكي، بعدما اتهم موظف سابق في بنك “جي بي مورجان” مديرته المباشرة بتخديره واستعباده جنسيا وممارسة ضغوط نفسية وعنصرية عليه داخل بيئة العمل، في دعوى قضائية فتحت الباب أمام نقاشات واسعة حول الوجه الخفي للسلطة داخل المؤسسات المالية الكبرى. وفقا لصحيفة الإندبندنت البريطانية.
وأضافت الإندبندنت أن القضية، وبطلها المصرفي السابق تشيرايو رانا، البالغ 35 عاما والمنحدر من أصول نيبالية، لم تعد مجرد نزاع قانوني عابر بين موظف ومديرته، بل تحولت إلى قضية رأي عام داخل الولايات المتحدة، خصوصا بعد تسريب تفاصيل صادمة من أوراق الدعوى، ثم الكشف لاحقا عن محاولة البنك التوصل إلى تسوية مالية ضخمة لتجنب وصول القضية إلى المحكمة.
ويتهم رانا رئيسته في العمل لورنا هايديني، وهي مسؤولة بارزة تبلغ 37 عاما داخل قسم التمويل في البنك، بأنها استغلت سلطتها الوظيفية لإخضاعه لسلسلة من الممارسات الجنسية المهينة، مدعيا أنها هددته بشكل مباشر بتدمير مستقبله المهني إذا رفض الانصياع لرغباتها.
وبحسب روايته، بدأت الوقائع داخل مقر العمل عام 2024، حين بدأت المديرة بالتقرب منه بصورة تحمل إيحاءات جنسية، قبل أن تتطور العلاقة المزعومة إلى ما وصفه بـ”الاستعباد النفسي والجنسي”، حيث قال إنها كانت تكرر عبارات من نوع: “أنا أملكك”، و”إذا لم تنصاع لأوامري، فسأدمر حياتك المهنية”.
لكن أخطر ما تتضمنه الدعوى لا يتعلق فقط بالتحرش أو استغلال النفوذ، بل بالاتهامات المرتبطة باستخدام مواد مخدرة لإجباره على إقامة علاقات جنسية من دون إرادته. إذ يزعم رانا أن مديرته استخدمت عقاري “فياجرا” و”روهيبنول”، المعروف شعبيا باسم “عقار الاغتصاب”، لتخديره والتحكم به.
وتضمنت أوراق القضية أيضا اتهامات صادمة تتعلق بالإهانات العنصرية، إذ قال رانا إن مديرته كانت تسخر من أصوله النيبالية وتستخدم أوصافا مهينة مرتبطة بلون بشرته وخلفيته الآسيوية، في مشهد يعكس مزيجا معقدا من الاستغلال الجنسي والتمييز العرقي داخل واحدة من أقوى المؤسسات المالية في العالم.
وأثارت القضية اهتماما استثنائيا لأنها تقلب الصورة النمطية المعتادة في ملفات التحرش داخل بيئات العمل. فبدلا من اتهام من امرأة مرؤوسة في نمط تقليدي وتاريخي معتاد، يجد الرأي العام نفسه أمام رجل يتهم امرأة نافذة داخل مؤسسة عملاقة باستخدام السلطة المهنية والإغراء والتهديد النفسي للسيطرة عليه.
وفي البداية، تعامل كثيرون مع رواية رانا بتشكيك واسع، خاصة على منصات التواصل الاجتماعي التي امتلأت بالتعليقات الساخرة والمحتوى التهكمي. غير أن الصورة بدأت تتغير تدريجيا بعدما كشفت تقارير أمريكية أن “جي بي مورجان” عرض على الموظف السابق تسوية مالية بلغت مليون دولار مقابل عدم المضي في الدعوى القضائية.
هذا التطور فتح الباب أمام موجة جديدة من التساؤلات. فإذا كانت الاتهامات “مختلقة بالكامل” كما يقول البنك، فلماذا عرض هذا المبلغ الكبير لتسوية القضية؟ سؤال زاد من حدة الجدل، خصوصا مع تأكيد محامي رانا أن موكلهم رفض العرض وطالب بتعويضات تتجاوز 20 مليون دولار.
لكن البنك من جانبه ينفي بصورة قاطعة جميع الاتهامات، مؤكدا أنه أجرى تحقيقا داخليا موسعا لم يجد ما يدعم رواية الموظف السابق. كما أشار إلى أن عددا كبيرا من العاملين تعاونوا مع التحقيق، بينما اتهم رانا بعدم تقديم أدلة أو معلومات كافية خلال الإجراءات الداخلية.
ويصر فريق الدفاع عن رانا على أن موكلهم تعرض لضغوط هائلة، وأنه يعاني حاليا اضطراب ما بعد الصدمة نتيجة ما وصفوه بـ”سنوات من الاستغلال والإذلال النفسي”. كما يتهمون البنك بمحاولة عزله مهنيا ووضعه في إجازة قسرية بعد تقديم الشكوى، ثم العمل بصورة غير مباشرة على إغلاق أبواب التوظيف أمامه داخل القطاع المالي.
وتجاوزت القضية أبعادها القانونية لتتحول إلى مرآة تعكس طبيعة العلاقات المعقدة داخل عالم المال الأمريكي، حيث النفوذ الهائل والضغوط النفسية والتنافس القاسي، وحيث يمكن للسلطة المهنية أن تتحول ـ بحسب منتقدين ـ إلى أداة للسيطرة والتلاعب.
كما سلطت الضوء على دور وسائل التواصل الاجتماعي في تحويل أي قضية حساسة إلى محكمة جماهيرية مفتوحة، تختلط فيها الوثائق القضائية بالتسريبات والميمز الساخرة والتحليلات النفسية، في بيئة رقمية تجعل من الصعب الفصل بين الحقيقة والضجيج.
ومع اقتراب أولى جلسات المحكمة في نيويورك، تبدو القضية مرشحة لمزيد من التصعيد، ليس فقط بسبب طبيعة الاتهامات الصادمة، بل لأن تداعياتها قد تمتد إلى سمعة “جي بي مورجان”، وتفتح الباب أمام مراجعة أوسع لثقافة العمل وحدود السلطة في وول ستريت.