هل يسقط ترامب في فخ "الحروب التي لا تنتهي"؟
بلغ المشهد السياسي في واشنطن نقطة غليان صامتة، رصدتها مجلة ذا أتلانتيك، إذ يجد الرئيس دونالد ترامب، الذي يحب الافتخار بقدراته البارعة في حسم الصفقات الكبرى، نفسه اليوم عالقًا في شرك صراع بدأه هو نفسه، لكنه لم يعد يملك مفاتيح إنهاءه.
وكتب جوناثان ليمير تحليلا نشرته المجلة الأمريكية رسم من خلاله صورة لرئيس "يشعر بالملل" من الحرب، ليس زهدًا في السلطة، بل خوفًا من التبعات السياسية والاقتصادية التي بدأت تنهش في جدار شعبيته.
عقيدة "النصر المعلن" وتحدي الواقع
ويرجح جوناثان ليمير أن استراتيجية ترامب اعتمدت مؤخرًا على مبدأ "أعلن النصر ثم ارحل"، فأعلن الرئيس انتهاء الأزمة عدة مرات، كان أبرزها قبل ثلاثة أسابيع عندما أعادت إيران فتح مضيق هرمز لفترة وجيزة. ومع ذلك، فإن الواقع على الأرض يرفض الانصياع للتغريدات والمنشورات عبر تروث سوشيال، والخطابات الرنانة. فالمضيق، الذي يعد شريان الطاقة العالمي، لا يزال ساحة للتوتر، وخطط الإدارة الأمريكية لمرافقة السفن التجارية تم التخلي عنها فجأة خوفًا من انزلاق الأمور إلى مواجهة شاملة لا ترغب واشنطن في خوض غمارها الآن.
ووفقا للكاتب، يريد ترامب الخروج بأي ثمن. إذ يرى في استمرار الصراع "مستنقعًا" يشبه ما سقط فيه أسلافه سواء في فيتنام أو العراق أو أفغانستان، وهو أمر يتناقض تمامًا مع وعوده الانتخابية بإنهاء "الحروب التي لا تنتهي". علاوة على ذلك، فإن عينه مسلطة على الداخل الأمريكي؛ حيث تؤدي أسعار الوقود المرتفعة إلى تآكل مكاسبه في استطلاعات الرأي، بينما ينتظره قمة رفيعة المستوى في الصين الأسبوع المقبل يريد التفرغ لها كليًا.
إيران: استراتيجية "النفس الطويل"
على الجانب الآخر، تبدو طهران وكأنها تلعب لعبة مختلفة تمامًا. وفقًا لمصادر مقربة من البيت الأبيض، فإن إيران لا تشارك ترامب استعجاله. بالنسبة للقيادة الإيرانية، فإن إطالة أمد الصراع لبضعة أشهر إضافية قد تكون ورقة ضغط رابحة، خاصة وهي ترى التردد الأمريكي في الرد الحاسم وتراجع واشنطن عن إجراءات التصعيد.
وباتت الولايات المتحدة الآن في وضع "الانتظار". لقد قدمت واشنطن "مذكرة تفاهم" من صفحة واحدة، هي في حقيقتها مجرد محاولة لتمديد وقف إطلاق النار وليست معاهدة سلام شاملة. لكن طهران، التي تدرك حاجة ترامب الماسة لـ "لقطة انتصار" قبل الانتخابات أو القمم الدولية، لا تبدو مستعدة لمنحه هذا الفوز مجانًا.
المأزق السياسي والاقتصادي
ويواجه ترامب معضلة مزدوجة؛ داخليًا: ارتفاع أسعار البنزين يمثل كابوسًا لأي رئيس أمريكي، والحزب الجمهوري يراقب بقلق شديد كيف يمكن لهذا الصراع أن يقلب الطاولة في صناديق الاقتراع، أما خارجيًا، فهناك الإخفاق في إجبار إيران على الجلوس إلى طاولة المفاوضات يضعف صورة "المفاوض القوي" التي بنى عليها ترامب هويته السياسية. ولفت الكاتب الأمريكي إلى أن التراجع عن مرافقة السفن في المضيق لم يكن مجرد قرار تكتيكي، بل كان اعترافًا ضمنيًا بأن الولايات المتحدة ليست مستعدة للمخاطرة بحرب إقليمية واسعة النطاق قد تؤدي إلى انهيار الأسواق العالمية.
البحث عن مخرج مشرف
واعتاد ترامب أن يتغنى بـ"فن الصفقة"، ولكنه يواجه أصعب اختباراته؛ إذ فالخصم هنا ليس شركة عقارات يمكن الضغط عليها، بل دولة تتقن فن المناورة في الأزمات الطويلة. يقف الرئيس الآن أمام خيارين أحلاهما مر: إما الاستمرار في تقديم التنازلات تحت غطاء "اتفاقيات واهية" لتجنب التصعيد، أو العودة إلى لغة التهديد التي أثبتت التجربة أنها لم تعد تؤتي ثمارها المرجوة.