سحب 5 آلاف جندي أمريكي.. هل تُجبر خطة "ترامب" أوروبا على تسريع استقلاليتها الدفاعية؟
سلطت مجلة "ذا أتلانتيك" الأمريكية الضوء على التداعيات المترتبة على الطلاق الثقافي والعسكري بين واشنطن وبرلين، والتكلفة الحقيقية لانسحاب القوات الأمريكية من ألمانيا، وبينما تنشغل الصالونات السياسية على جانبي الأطلسي بمناقشات تقنية حول "تقاسم الأعباء" وتداعيات "حصار إيران"، ثمة زلزال صامت يضرب أركان ولاية "راينلاند بفالتس" الألمانية. فلم يعد الأمر أرقامًا في ميزانية الدفاع، بل تحول إلى ما يشبه "الفراق البين" الذي ينهي عقودًا من التعايش العسكري والاجتماعي بين القوتين.
قرار الانسحاب: البداية أم النهاية؟
جاء إعلان الرئيس ترامب الأسبوع الماضي عن سحب 5،000 جندي أمريكي من ألمانيا كصدمة، ليس فقط لدوائر حلف "الناتو"، بل للمجتمعات المحلية التي ارتبطت معيشيًا بوجود هذه القوات. يخطط البنتاجون لعملية تخفيض تدريجي تمتد لـ 12 شهرًا، وسط مخاوف من أن تكون هذه الخطوة مجرد مقدمة لانسحاب أكبر خلال الأشهر المقبلة، أو تحول جذري نحو سياسة "التناوب" بدلًا من التمركز الدائم الذي شكل الصبغة الرئيسية للعلاقات الألمانية الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
الخريطة العسكرية المتغيرة
يتركز الوجود الأمريكي في ألمانيا في نقاط استراتيجية حساسة، منها:
مجتمع كايزرسلاوترن العسكري: يضم حوالي 50 ألف أمريكي (عسكريين ومدنيين وعائلاتهم)، ويشمل قاعدة "رامشتاين" الجوية الحيوية.
فيسبادن: مقر قيادة الجيش الأمريكي في أوروبا وأفريقيا.
بافاريا (جرافينوهر وفيلسيك): مراكز التدريب والجاهزية القتالية، وهي المناطق التي من المتوقع أن تشهد سحب الدفعة الأولى من القوات.
التداعيات الاستراتيجية: فراغ في قلب أوروبا
ويعد الانسحاب الأمريكي من وسائل إعادة صياغة لمفهوم الأمن الأوروبي. فالعلاقة التي بدأت كقوة احتلال في عام 1945، ثم تحولت إلى شراكة حماية خلال الحرب الباردة، تواجه اليوم اختبارًا وجوديًا.
ضعف الردع: يرى المحللون أن تقليص القوات الدائمة يضعف رسالة الردع الموجهة للخصوم، خاصة في ظل التوترات المتزايدة في شرق أوروبا.
أزمة الثقة: يرسل هذا القرار إشارة إلى الحلفاء الأوروبيين بأن المظلة الأمنية الأمريكية لم تعد بديهية، بل أصبحت "تعاقدية" خاضعة للمساومات المالية.
التحول نحو التناوب: استبدال القوات الدائمة بأخرى "دوارة" قد يوفر التكاليف، لكنه يضحي بالاستقرار الاجتماعي والروابط العميقة التي يبنيها الجنود وعائلاتهم مع المجتمع الألماني.
التكلفة الثقافية والاجتماعية
خلف الأسلاك الشائكة للقواعد العسكرية، نمت حياة كاملة، إذ أن القوات الأمريكية في ألمانيا عبارة عن محرك اقتصادي واجتماعي ضخم. في مدن مثل "فيلسيك"، يعتمد الاقتصاد المحلي بشكل شبه كامل على إنفاق العائلات الأمريكية، ونقلت المجلة عن عمران خالد، المحلل الاستراتيجي، قوله: "الانسحاب ليس مجرد تحرك عسكري؛ إنه تمزيق لنسيج اجتماعي استغرق بناؤه ثمانية عقود."
وتجدر الإشارة إلى أن رحيل هؤلاء الجنود يعني إغلاق مدارس، وفقدان وظائف لآلاف المدنيين الألمان، وانتهاء حقبة من التبادل الثقافي الذي جعل من القواعد الأمريكية "جزرًا صغيرة من أمريكا" في قلب أوروبا. هذا "الطلاق" على الصعيد الثقافي من شأنه أن يترك فجوة يصعب ملؤها، حيث ستفقد ألمانيا حليفًا كان يومًا ما جزءًا لا يتجزأ من هويتها الأمنية واليومية.
الرؤية المستقبلية: ناتو بلا قيادة مركزية؟
إذا استمرت خطة الانسحاب وفق الجداول الزمنية المرصودة، فإن العالم سيجد نفسه أمام "أوروبا جديدة" كليا. وقد تجبر أوروبا على تسريع استقلاليتها الدفاعية، وهو مسار طويل ومكلف. وفي المقابل، تخاطر واشنطن بفقدان نفوذها المباشر في القارة، حيث كانت ألمانيا تمثل منصة الانطلاق الرئيسية للعمليات الأمريكية في الشرق الأوسط وأفريقيا.
ويمثل قرار سحب الـ 5،000 جندي أمريكي نقطة تحول تاريخية. لكن التكلفة الحقيقية لن تقاس بالدولارات التي سيتم توفيرها من ميزانية الدفاع، بل في خسارة النفوذ الجيوسياسي وتصدع التحالف الثقافي الذي شكل استقرار الغرب لأكثر من نصف قرن. إنها لحظة مراجعة كبرى، حيث يراقب العالم بقلق كيف ستتأقلم برلين مع واقعها الجديد كقوة "وحيدة" في مواجهة التحديات العالمية، وكيف ستعيد واشنطن تعريف دورها كشرطي لم يعد يرغب في البقاء في مخفره القديم.