من جيبوتي إلى الخليج العربي.. كيف تستفيد مصر من التقارب مع الصين في طريق الحرير؟
في قراءة متعمقة في تشكل محور أمني جديد في الشرق الأوسط، ذكرت مجلة «مودرن دبلوماسي»، في طبعتها الأوروبية، أن التطورات الجيوسياسية المٌتسارعة في الشرق الأوسط تشير إلى أن “طريق الحرير” الصيني لم يعد مشروع اقتصادي أو شبكة بنية تحتية عالمية، بل يتحول تدريجيا إلى منظومة نفوذ عسكري وأمني متعددة الأطراف. وفي قلب هذا التحول تبرز مصر كفاعل محوري داخل معادلة جديدة تجمع بين بكين وأبوظبي، ضمن تصور أوسع لإعادة هندسة التوازنات الأمنية في الخليج والبحر الأحمر.
ووفقا للمجلة، فإن الصين تعمل على تشجيع وجود عسكري مصري في دولة الإمارات بحلول مايو 2026، بهدف دعم أمنها الاستراتيجي باعتباره بديلا إقليميا جزئيا عن الردع الأمريكي التقليدي. وأضافت المجلة أن هذا التوجه يعكس تحولا نوعيا في التفكير الصيني، حيث لم يعد الهدف فقط تأمين التجارة، بل بناء منظومة “ضمان أمني إقليمي” بالشراكة مع حلفاء موثوقين مثل مصر والإمارات.
مصر والإمارات في معادلة الردع البديل
في هذا السياق، ترى بكين أن التنسيق العسكري بين القاهرة وأبوظبي يمكن أن يشكل نواة لنظام أمني إقليمي قادر على تقليل الاعتماد على الوجود العسكري الأمريكي في الخليج، الفكرة الجوهرية هنا ليست استبدال واشنطن بشكل مباشر، بل إعادة توزيع مراكز الردع عبر شبكة شركاء إقليميين، بما يمنح الصين هامشا أوسع للحركة الاقتصادية والعسكرية في المنطقة.
يأتي ذلك في ظل بيئة إقليمية شديدة الحساسية، خاصة مع احتمالات تصعيد عسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وهو ما يدفع دول الخليج إلى إعادة تقييم نماذج الحماية التقليدية. في هذا السياق، تصبح مصر والإمارات محورين أساسيين في ما يمكن تسميته بـ”إعادة تشكيل البنية الأمنية للشرق الأوسط”.
البعد الصيني: من “الحزام والطريق” إلى “الحرير العسكري”
يتمثل التحول الأهم في دمج البنية الاقتصادية لمبادرة الحزام والطريق مع بعد عسكري غير معلن بشكل رسمي، لكنه يتجلى في التعاون الدفاعي، والتدريبات المشتركة، وتطوير القدرات التقنية. الصين تنظر إلى مصر والإمارات باعتبارهما “ركيزتين” في هذا التوسع، نظرا لموقعهما الاستراتيجي على خطوط الملاحة بين البحر الأحمر والخليج العربي.
ويشير الخبراء إلى أن وجود قوات مصرية في الإمارات، إلى جانب تطور التعاون العسكري والتقني، يدخل ضمن استراتيجية صينية أوسع لحماية “المصالح الخارجية” وتأمين طرق التجارة والطاقة، خاصة عبر الممر الحيوي الممتد من جيبوتي إلى الخليج العربي.
تدريبات مشتركة وتكامل عسكري متصاعد
من أبرز المؤشرات على هذا التوجه هو تصاعد التعاون العسكري الصيني مع كل من مصر والإمارات عبر تدريبات جوية مشتركة، مثل تدريبات “Civilization Eagles” مع مصر، و”Falcon Shield” مع الإمارات، والتي شهدت استخدام طائرات صينية متقدمة مثل J-10C، إلى جانب دمج تقنيات استطلاع وإنذار مبكر، الا أن هذه التدريبات لا تقرأ فقط كتعاون تكتيكي، بل كخطوة نحو اختبار “التكامل التشغيلي” بين أنظمة عسكرية مختلفة، تشمل الأنظمة الصينية والروسية والغربية الموجودة لدى الجيش المصري، ما يعكس مستوى جديدا من التداخل العسكري غير التقليدي في المنطقة.
الإمارات: عقدة لوجستية في شبكة الصين العسكرية
في المقابل، أصبحت الإمارات مركزا محوريا في البنية اللوجستية الصينية المتقدمة خارج حدودها. وتشير تقارير استخباراتية غربية إلى نشاط صيني متزايد في مواقع استراتيجية مثل مدينة زايد العسكرية وميناء خليفة في أبوظبي، حيث تم رصد مشاريع مرتبطة بالبنية التحتية الدفاعية والاتصالات العسكرية.
ورغم نفي أبوظبي وجود قواعد عسكرية صينية دائمة، فإن طبيعة التعاون تشير إلى مستوى متقدم من التداخل التقني والاستخباراتي، خاصة في مجالات الطائرات بدون طيار، والدفاع الجوي، وأنظمة القيادة والسيطرة.
البعد الأمريكي: قلق استراتيجي متزايد
هذا التوسع الصيني في الإمارات يثير قلقا متزايدا في واشنطن، خاصة مع قرب بعض هذه الأنشطة من قواعد أمريكية حساسة مثل “الظفرة الجوية”. وتخشى الولايات المتحدة من أن يتحول الوجود الصيني إلى منصة لجمع معلومات استخباراتية أو تقويض النفوذ الأمريكي التقليدي في الخليج.
وبالتالي، فإن المنطقة تشهد اليوم حالة “توازن دقيق” بين ثلاثة أقطاب: النفوذ الأمريكي التقليدي، التوسع الصيني الاقتصادي-الأمني، والطموح الإقليمي لكل من مصر والإمارات لإعادة تعريف دورهما الاستراتيجي.
مصر: تنويع التسليح وتعزيز العمق الاستراتيجي
في هذا المشهد، تسعى مصر إلى الاستفادة من التعاون الصيني-الإماراتي لتعزيز قدراتها العسكرية وتوسيع خياراتها الاستراتيجية. ويشمل ذلك تنويع مصادر التسليح عبر صفقات محتملة مع الصين تشمل طائرات مسيرة متقدمة، وطائرات مقاتلة من طراز J-10C، إضافة إلى مفاوضات حول غواصات وأنظمة دفاعية متطورة.
كما يبرز بعد آخر يتمثل في نقل التكنولوجيا العسكرية وتوطين الصناعة الدفاعية، بما يعزز قدرة القاهرة على بناء قاعدة صناعية عسكرية أكثر استقلالا، خاصة في مجالات الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية.
نحو محور أمني جديد: مصر – الإمارات – الصين
النتيجة النهائية لهذا التداخل هي بروز ما يمكن وصفه بمحور أمني ثلاثي غير رسمي يجمع مصر والإمارات والصين، يقوم على توزيع الأدوار:
الصين: قوة تكنولوجية ولوجستية وداعمة
الإمارات: مركز إقليمي متقدم للانتشار والربط
مصر: قوة عسكرية بشرية وجغرافية في البحر الأحمر وشرق المتوسط
هذا المحور، وفق التحليل، قد يعيد رسم خريطة الأمن في المنطقة، خصوصا إذا تطور إلى تعاون أوسع يشمل السودان والقرن الأفريقي، ضمن ما يشبه “ممر جيوأمني” يمتد من جيبوتي إلى الخليج.
تعد هذه التطورات بمثابة إعادة تشكيل تدريجية لبنية القوة في الشرق الأوسط. فالصين تتحرك لبناء شبكة نفوذ متكاملة تجمع الاقتصاد بالأمن، بينما تسعى مصر والإمارات إلى توظيف هذا التحول لتعزيز موقعهما الاستراتيجي في نظام عالمي متعدد الأقطاب. وبينما لا يزال الوجود الأمريكي هو الإطار الأمني التقليدي للمنطقة، فإن صعود هذا التأثير الصيني” يعكس بداية مرحلة جديدة تتسم بإعادة توزيع القوى والنفوذ، وتعدد مراكز التأثير، وتزايد الاعتماد على التحالفات المرنة بدل التحالفات الصلبة التقليدية.