بمليار و87 مليون دولار.. تفاصيل شراكة استراتيجية بين مصر والجزائر في قطاع الهيدروكربونات| عاجل
في خطوة تعكس تحولا لافتا في خريطة الطاقة الإقليمية، نجحت شركة بتروجيت المصرية في اقتناص أحد أضخم عقود النفط والغاز في شمال أفريقيا، بعدما حصلت على مشروع عملاق لتطوير حقل حاسي بئر ركيز الجزائري بقيمة تتجاوز مليار دولار. الصفقة لم تكن مجرد عقد هندسي ضخم، بل حملت أبعادا اقتصادية وجيوسياسية تتجاوز حدود التعاون التقليدي بين القاهرة والجزائر، وتؤشر إلى صعود الشركات المصرية كلاعب مؤثر في أسواق الطاقة الأفريقية، وفقا لموقع أويل برايس المتخصص في شؤون الطاقة.
جاء فوز الشركة المصرية بالعقد الجزائري في توقيت حساس يشهد إعادة تشكيل أسواق النفط والغاز عالميا، وسط سباق محموم على الاستثمارات في قطاع الطاقة، وتزايد أهمية شمال أفريقيا كمركز استراتيجي لإمدادات الطاقة نحو أوروبا والأسواق الدولية.
مشروع عملاق يغير معادلة الإنتاج
العقد الذي حصلت عليه بتروجيت يتعلق بالمرحلة الثانية من تطوير حقل حاسي بئر ركيز الواقع في حوض بركين شرقي الجزائر، وهو أحد أهم الأحواض النفطية في البلاد. وتبلغ القيمة الإجمالية للمشروع نحو 1.087 مليار دولار، ما يجعله الأكبر في تاريخ الشركة المصرية منذ تأسيسها.
ويستهدف المشروع تنفيذ توسعة ضخمة للبنية التحتية للحقل، تشمل إنشاء منشآت معالجة مركزية جديدة، ومد شبكات أنابيب طويلة، وتطوير مرافق التشغيل والخدمات اللوجستية المرتبطة بالإنتاج. كما يتضمن تجهيزات هندسية متقدمة تسمح برفع الطاقة الإنتاجية للحقل بصورة غير مسبوقة خلال السنوات المقبلة.
تكمن الأهمية الحقيقية للمشروع في مستهدفات الإنتاج؛ إذ تسعى الجزائر وشركاؤها إلى رفع إنتاج الحقل تدريجيا من نحو 13 ألف برميل يوميا حاليا إلى أكثر من 63 ألف برميل يوميا بعد اكتمال جميع مراحل التطوير. هذه القفزة تعني عمليا مضاعفة إنتاج الحقل عدة مرات وتحويله إلى أحد المحركات الرئيسية للإنتاج النفطي في المنطقة الشرقية الجزائرية.
كيف تفوقت بتروجيت على الشركات العالمية؟
الفوز بالعقد لم يكن سهلا. فالمنافسة ضمت شركات دولية كبرى تمتلك خبرات طويلة في مشاريع النفط والغاز العملاقة عبر أفريقيا والشرق الأوسط. لكن الشركة المصرية نجحت في حسم السباق، في إشارة واضحة إلى تنامي الثقة الإقليمية والدولية في قدرات المقاولين المصريين بمجال الهندسة والطاقة. لكن اللافت أن المرحلة الأولى من تطوير الحقل قبل سنوات كانت قد نفذتها شركة صينية بعقد أقل كثيرا من حيث القيمة والحجم، بينما جاءت المرحلة الجديدة أكثر تعقيدا واتساعا، ما يعكس تطور الطموحات الاستثمارية الجزائرية نفسها، وكذلك حجم الثقة التي باتت تحظى بها بتروجيت في تنفيذ المشروعات الكبرى.
هذا الانتصار يمنح الشركة المصرية دفعة استراتيجية مهمة، لأنه يضعها عمليا في مصاف اللاعبين الكبار داخل سوق خدمات الطاقة الأفريقية، وهو سوق شديد التنافسية تهيمن عليه تقليديا شركات أمريكية وأوروبية وآسيوية عملاقة.
شراكة مصرية جزائرية تتجاوز حدود المقاولات
التوقيع الرسمي للعقد في الجزائر العاصمة لم يكن مجرد مناسبة تجارية، بل حمل طابعا سياسيا ودبلوماسيا واضحا. فقد حضر مراسم التوقيع مسؤولون كبار من البلدين، في رسالة تؤكد أن التعاون في قطاع الطاقة أصبح أحد أعمدة العلاقات المصرية الجزائرية خلال المرحلة الحالية.
وترى الجزائر في الاتفاقية خطوة لتعميق التعاون العربي والأفريقي في قطاع استراتيجي بالغ الحساسية، بينما اعتبرت القاهرة المشروع بوابة جديدة لتوسيع الحضور الاقتصادي المصري في القارة الأفريقية. لكن الأهم أن الاتفاق لم يقتصر على مشروع بتروجيت وحده. فبالتوازي مع توقيع عقد التطوير، أبرمت مصر والجزائر مذكرة تفاهم لتوريد النفط الخام الجزائري إلى السوق المصرية، في خطوة تعكس رغبة القاهرة في تنويع مصادر الإمدادات النفطية وتعزيز أمن الطاقة المحلي.
لماذا تفتح الجزائر أبوابها بهذا الحجم؟
تستعد الجزائر لضخ عشرات المليارات من الدولارات في قطاع الهيدروكربونات خلال السنوات المقبلة، ضمن خطة واسعة لتوسيع الإنتاج وتعزيز قدراتها التصديرية، وتمتلك الجزائر واحدا من أكبر احتياطيات النفط والغاز في أفريقيا، كما أصبحت تحظى بأهمية مضاعفة بالنسبة للأسواق الأوروبية الباحثة عن بدائل مستقرة لإمدادات الطاقة الروسية منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا.
لهذا تسعى الجزائر إلى تسريع تطوير حقولها النفطية والغازية وجذب أكبر عدد ممكن من الشركاء الدوليين، سواء في مجالات الاستكشاف أو التطوير أو البنية التحتية. وفي هذا السياق، تبدو الشراكة مع مصر جزءا من رؤية أوسع لتنويع التحالفات الاقتصادية وعدم الاكتفاء بالشركاء التقليديين من أوروبا وآسيا.
بتروجيت.. من مقاول محلي إلى لاعب أفريقي
الصفقة الجزائرية تكشف أيضا التحول الكبير الذي شهدته بتروجيت خلال السنوات الأخيرة. فالشركة التي تأسست أساسا لخدمة مشروعات البترول داخل مصر بدأت تدريجيا التوسع خارجيا، لتتحول إلى ذراع هندسية إقليمية تعمل في عدد متزايد من الأسواق الأفريقية والعربية.
وخلال الفترة الماضية، شاركت الشركة في مشروعات متنوعة بمجالات البنية التحتية النفطية وأنظمة الإنتاج البحري والتجهيزات الصناعية في عدة دول أفريقية، ما منحها خبرات تراكمية ساعدتها على دخول منافسات أكبر وأكثر تعقيدا. وهذا التوسع الخارجي يعكس توجها مصريا أوسع يقوم على تصدير الخدمات الهندسية والصناعات المرتبطة بالطاقة، وليس الاكتفاء بدور المستورد أو المستهلك داخل السوق المحلية.
أبعاد جيوسياسية تتجاوز النفط
وراء الأرقام والاستثمارات، تحمل الصفقة رسائل سياسية واضحة. فالعالم يشهد حاليا إعادة رسم واسعة لتحالفات الطاقة، سواء بسبب التحولات الجيوسياسية أو سباق أمن الطاقة العالمي أو التنافس على النفوذ داخل أفريقيا.
وفي خضم هذه التحولات، تحاول مصر والجزائر بناء نموذج تعاون اقتصادي عربي أكثر عملية وارتباطا بالمصالح المباشرة، بعيدا عن الخطابات التقليدية التي كثيرا ما بقيت حبيسة البيانات الرسمية.
كما أن دخول شركة مصرية حكومية بهذا الحجم إلى مشروع استراتيجي جزائري يعكس مستوى مرتفعا من الثقة السياسية بين البلدين، خصوصا في قطاع يعتبر من أكثر القطاعات حساسية وتأثيرا على الأمن القومي والاقتصاد.
ما الذي تعنيه الصفقة لمستقبل المنطقة؟
نجاح بتروجيت في الجزائر قد يكون بداية مرحلة جديدة من الحضور المصري في مشاريع الطاقة الأفريقية، خاصة مع التوسع المتوقع لاستثمارات النفط والغاز بالقارة خلال السنوات المقبلة.