بعد 15 عاما من الجمود..
"وول ستريت جورنال" تكشف تفاصيل الدور المصري المحوري لتطبيع العلاقات بين أمريكا وإريتريا
في إطار تحركات دبلوماسية محسوبة تكشف عن عمق الدور المصري الجديد في إعادة رسم خريطة التحالفات على ضفاف البحر الأحمر، كشفت صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية أن القاهرة أدت دورًا محوريًا في تيسير محادثات سرية بين واشنطن وأسمرة، قد تضع حدًا لعقود من العزلة الدبلوماسية التي فرضت على إريتريا منذ ما يزيد على 15 عامًا.
القاهرة وسيطًا
وكشفت وول ستريت جورنال أن مبعوث الرئيس الأمريكي الأول إلى أفريقيا مسعد بولس يسعى إلى رفع بعض العقوبات عن إريتريا، وربما تطبيع العلاقات مع الدولة الأكثر عزلة دبلوماسيًا وسياسيًا في القارة الأفريقية، وأن الرئيس عبد الفتاح السيسي هو من رتب هذا التواصل وأشرف على إجراء مباحثات بين أفورقي وبولس على.
ونقلت الصحيفة عن مصدر مطلع على المباحثات قوله إن بولس في طريقه إلى لقاء جديد مع الرئيس الإريتري قريبًا، فيما أحجمت وزارة الخارجية الأمريكية عن التعليق على التقارير. غير أن مسؤولا مطلعا على المناقشات في أروقة الخارجية الأمريكية قال إن مسألة إعادة العلاقات مع إريتريا "كانت قيد الدراسة منذ وقت طويل جدًا"، مما يشير إلى أن المبادرة سابقة للأزمات الإقليمية الراهنة.
منطق الجغرافيا: 840 ميلًا على البحر الأحمر
ومن أجل فهم ما يدفع إدارة ترامب نحو هذا الانفتاح غير المسبوق، وفقا لمركز سيمافور المتخصص في الأبحاث الجيوسياسية، ينبغي النظر إلى الخريطة أولًا. تمتلك إريتريا ساحلا يمتد 840 ميلًا على البحر الأحمر، فضلًا عن جزر استراتيجية في عرض المياه، مما يجعلها لاعبًا لا يمكن تجاهله في معادلة الممرات البحرية الحيوية.
وفي ظل أزمة مضيق هرمز المتصاعدة، بات باب المندب- وهو المضيق الذي يفصل جيبوتي عن اليمن بأقل من 50 كيلومترًا- الممر البديل الذي تتطلع إليه أنظار العالم، مما جعل الدول المطلة على ساحل البحر الأحمر الأفريقي نقطة استراتيجية للغاية في حسابات واشنطن.
وتشير تقارير إلى أن الولايات المتحدة باتت تعيد تموضعها العسكري من الخليج نحو الجانب الأفريقي من البحر الأحمر، في إطار استراتيجية إقليمية أشمل تشمل الصومال وجيبوتي وإريتريا وإثيوبيا إلى جانب مصر.
مسار العقوبات: من تيجراي إلى فرصة جديدة
تحمل العلاقة الأمريكية-الإريترية إرثًا ثقيلًا. ووفقا لصحيفة ذا ريبورتر، دأبت الإدارات الأمريكية المتعاقبة على عدم تعيين سفير في أسمرة، وظل المنصب شاغرًا منذ 2010. وفي 2021، فرضت واشنطن جولة جديدة من العقوبات على نظام أفورقي إثر الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها القوات الإريترية إبان الحرب بإقليم تيجراي الإثيوبي.
غير أن بعض المسؤولين الأمريكيين يرون أن سياسة عزل أسمرة لم تفضي إلى نتائج ملموسة، لا على صعيد أهداف السياسة الأمريكية ولا على صعيد الاستقرار الإقليمي، مشيرين إلى أن البحر الأحمر "بالغ الأهمية استراتيجيًا لدرجة تستوجب اختبار مقاربات جديدة." وفي مؤشر على تحول الأجواء، رحبت السفارة الإريترية في واشنطن بما وصفته بـ"تحول نحو الانخراط"، معربة عن قناعتها بأن مرحلة التعامل باتت "ضرورية ومتأخرة."
استثمار جيوسياسي
لا يمكن فصل هذه الوساطة عن الاستراتيجية المصرية الأشمل. فعلاقة مصر بإريتريا تقوم على قاعدة مصالح متبادلة راسخة، إذ تمثل أسمرة بالنسبة للقاهرة شريكًا يعول عليه في مواجهة النفوذ المتمدد لبعض الأطراف الإقليمية التي لا تكف عن زعزعة استقرار المنطقة، سواء على صعيد مياه النيل أو في ممر البحر الأحمر. كما تجد القاهرة في دور الوسيط الإقليمي رصيدًا دبلوماسيًا وازنًا تستخدمه للتفاوض على مكانتها في الخريطة الجديدة لمنطقة البحر الأحمر.
وكشف هذا الملف كيف تحول البحر الأحمر من ممر تجاري إلى ساحة جذب دبلوماسي تتنافس فيه القوى الكبرى على ملء الفراغات التي خلفتها سنوات من العزلة، ومصر — على ما يبدو — تعرف جيدًا كيف تحول هذه الفرصة إلى لغة النفوذ.