< مايو العاصف.. هل تطيح المظاهرات العمالية بالمستشار الألماني؟
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

مايو العاصف.. هل تطيح المظاهرات العمالية بالمستشار الألماني؟

الرئيس نيوز

بينما تعيش ألمانيا على وقع أزمة دبلوماسية حادة مع واشنطن، وتتصاعد فيها تداعيات الحرب الإيرانية على الاقتصاد، خرجت الحركة النقابية والقوى الاجتماعية إلى الشوارع في مشهد يجمع بين الاحتجاج المنظم والغضب الشعبي المتراكم، ما دفع صحيفة إزفيستيا للتساؤل عما إذا أصبحت حكومة المستشار فريدريش ميرتس في مهب الريح.

الشارع يتحرك: ثلاثمائة وستة وستون ألفًا في يوم واحد

شهد يوم العمال العالمي هذا العام تحركًا نقابيًا غير مسبوق، إذ شارك أكثر من ثلاثمئة وستة وستين ألف شخص في أربعمئة وثلاثة عشر تجمعًا وتظاهرة نظّمها الاتحاد العام للنقابات الألمانية في أرجاء البلاد، في أعلى أرقام المشاركة منذ سنوات طويلة، وفي قلب هذه التظاهرات، حذرت رئيسة الاتحاد العام للنقابات ياسمين فهيمي من تحميل العمال وزر الأزمة الاقتصادية الراهنة، رافضة توجهات الحكومة الالما٥نحو خفض الإنفاق الاجتماعي وإلغاء الحماية القانونية ليوم العمل الثماني ساعات. 

ولم تقتصر المخاوف على حقوق العمال، بل امتدت لتشمل المنظومة الاجتماعية برمتها. إذ حذّرت رئيسة نقابة التربية والعلوم من أن خطط التقشف قد تطال قطاع التعليم الذي يحتاج دعمًا عاجلًا، واصفة ما يجري بـ"النشيد الأخير لتوديع دولة الرعاية الاجتماعية."

ميرتس في مواجهة المقص الاقتصادي

ما يجعل هذه المظاهرات أشد وطأة على الحكومة هو توقيتها؛ فميرتس يقود ائتلافا هشا بين حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي والحزب الاشتراكي الديمقراطي، وكلاهما يجد نفسه مضطرًا للتعامل مع فاتورة اقتصادية ثقيلة. فالحكومة تعاني ضغوطًا متزايدة جراء أزمة الطاقة التي أشعلتها حرب إيران، فضلًا عن الاضطراب الذي يعيشه الشريك الاشتراكي في أعقاب نتائجه التاريخية المتدنية في انتخابات راينلاند-بالاتينات، وفي مؤشر لافت على حجم القلق الشعبي، فإن نحو اثنين وخمسين بالمئة من الألمان يتوقعون زيادة ضريبية في المرحلة المقبلة، وفقا لصحيفة برافادا.

الائتلاف على المحك: أربعة من كل عشرة يتوقعون السقوط

تكشف أرقام الرأي العام عن حجم الهشاشة التي يعانيها الائتلاف الحاكم. وجد معهد إنسا الاجتماعي في دراسة خاصة أن واحدًا وأربعين بالمئة من الألمان يعتقدون أن الائتلاف الحاكم قد ينهار قبل انتخابات عام ألفين وتسعة وعشرين، في مقابل ثمانية وثلاثين بالمئة فقط يرون أنه سيصمد حتى نهاية مدته.

والأكثر دلالة أن سبعة وستين بالمئة من مؤيدي حزب البديل اليميني يتوقعون انهيار الائتلاف مبكرًا، وهو ما يعكس رهانًا استراتيجيًا من الحزب على أزمة سياسية وشيكة. 

شبح البديل: الصعود لا يتوقف

في قلب هذا المشهد المضطرب يبرز حزب "البديل من أجل ألمانيا" بوصفه المستفيد الأكبر من أزمات ميرتس المتراكمة. قفز الحزب إلى ستة وعشرين بالمئة في أحدث استطلاعات مؤسسة فورسا، متجاوزًا بذلك سائر الأحزاب ليصبح أقوى قوة سياسية في ألمانيا، فيما تراجع حزب ميرتس إلى أربعة وعشرين بالمئة بعد أن حصد ثمانية وعشرين بالمئة ونصفًا في انتخابات فبراير. 

وتبدو المعادلة السياسية بالغة التعقيد؛ فمنذ توليه المستشارية في مايو الماضي، اكتسب ميرتس احترامًا في الملفات الخارجية والأمنية، غير أن أداءه الداخلي جاء أدنى من التوقعات، في ظل ائتلاف يبدو منقسمًا حول كيفية إصلاح منظومة الرعاية الاجتماعية وعاجزًا عن تقديم برنامج مقنع لاستعادة النمو الاقتصادي. 

عام الانتخابات الكبرى: خمس ولايات في الميزان

ما يجعل الوضع أكثر ضراوة هو التقويم الانتخابي الذي لا يرحم. تنتظر ألمانيا هذا العام ما بات يُعرف بـ"عام الانتخابات الفائقة"، إذ ستُجرى انتخابات برلمانية في خمس ولايات بين مارس وسبتمبر المقبل، وهي اختبارات ستُعيد رسم خريطة الائتلافات الإقليمية وتُلقي بظلالها مباشرة على مستقبل الحكومة الفيدرالية، وفي ولاية ساكسونيا-أنهالت تحديدًا، يتقدم البديل على سائر المنافسين بأكثر من عشر نقاط مئوية، مما يجعل احتمال وصوله إلى رئاسة الوزارة الإقليمية لأول مرة في تاريخه سيناريو واقعيًا لا مجرد مخاوف نظرية. 

برلين في مايو: الاحتجاج بين الجد والرمزية

في برلين تحديدًا، أخذت تظاهرات الأول من مايو طابعًا خاصًا جمع بين الغضب السياسي الحقيقي والموروث الاحتجاجي لمدينة لا تزال تعرف كيف ترفع قبضتها، وفي مشهد يختصر حال ألمانيا اليوم؛ تبدو الدولة في حالة بحث عن توازن بين متطلبات الشراكة الأطلسية المتصدعة، وضغوط الشارع الداخلي المتصاعدة، ومنافس يميني يتربص بكل هفوة. وميرتس، الذي اعتقد أنه يقود ألمانيا في مرحلة "تحول تاريخي"، بات اليوم يقاوم على جبهتين في آن معًا: الخارج الأمريكي الغاضب، والداخل الألماني الساخط.