إثيوبيا تستغل الحرب ضد إيران لتعزيز علاقاتها مع الرياض
تشهد منطقة الخليج والبحر الأحمر اضطرابًا غير مسبوق نتيجة الحرب الإيرانية، وهو ما ينعكس مباشرة على التوازنات الإقليمية في القرن الأفريقي. في هذا السياق، تبرز أمام إثيوبيا فرصة استراتيجية لإعادة صياغة علاقتها مع المملكة العربية السعودية، في وقت تبحث فيه الرياض عن شركاء موثوقين لتعزيز أمنها البحري وضمان استقرار خطوط التجارة العالمية.
وفق تحليل نشرته صحيفة هورن ريفيو، فإن هذه اللحظة قد تكون حاسمة في إعادة رسم خريطة العلاقات بين أديس أبابا والرياض، بما يتجاوز التعاون التقليدي إلى شراكة أكثر عمقًا واستدامة، في ظل ظرف إقليمي بالغ الدقة تستغله أديس أبابا بالفعل.
خلفية العلاقات
اتسمت العلاقة بين إثيوبيا والسعودية تاريخيًا بالتذبذب والتقلبات بين التعاون والحذر. فبينما جمعت الطرفين مصالح مشتركة في التجارة والأمن البحري، ظلت الخلافات السياسية والاختلافات في الأولويات الإقليمية تفرض قيودًا على مستوى التنسيق. ومع ذلك، فإن التحولات الجارية في البحر الأحمر، حيث تتقاطع مصالح الخليج مع القرن الأفريقي، تجعل من الضروري للطرفين البحث عن صيغة جديدة أكثر توازنًا، خاصة في ظل التحديات الأمنية التي فرضتها الحرب الإيرانية على الملاحة الدولية وأسواق الطاقة.
وتؤكد تقارير صادرة عن مؤسسات بحثية غربية مثل مؤسسة كارنيجي ومجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية أن القرن الأفريقي أصبح محورًا أساسيًا في رؤية السعودية ٢٠٣٠، سواء لأسباب أمنية أو لتأمين الغذاء عبر الاستثمار الزراعي.
دوافع الرياض
تدرك المملكة العربية السعودية، التي تعتمد بشكل كبير على استقرار البحر الأحمر لضمان تدفق صادراتها النفطية، أن القرن الأفريقي أصبح جزءًا لا يتجزأ من أمنها القومي. ومع ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب الملاحة في مضيق هرمز، باتت الرياض أكثر ميلًا إلى تعزيز حضورها في القرن الأفريقي عبر سياسات "خفض التصعيد التنموي"، أي التركيز على دعم استقرار الدول المجاورة بدلًا من التدخل العسكري المباشر.
هذا التوجه يختلف عن النهج الإماراتي الأكثر نشاطًا واستباقية، ما يخلق تنافسًا بين الطرفين في المنطقة، ويمنح إثيوبيا فرصة لتقديم نفسها كشريك متوازن وموثوق. وتشير مجلة ذا كونفرسيشن إلى أن السعودية باتت أكثر حذرًا في تدخلاتها الخارجية، وهو ما يعزز فرص إثيوبيا في بناء علاقة قائمة على الثقة والمصالح المشتركة.
مكاسب إثيوبيا المحتملة
ترى إثيوبيا، التي تواجه تحديات داخلية مثل النزاعات الحدودية مع السودان والتوترات المرتبطة بسد النهضة، في هذه اللحظة فرصة لتعويض الضغوط الداخلية عبر تعزيز روابطها مع الرياض. التعاون مع السعودية يمكن أن يفتح الباب أمام استثمارات ضخمة في الزراعة والطاقة والبنية التحتية، وهو ما يتماشى مع أهداف المملكة في تحقيق الأمن الغذائي وتنويع مصادر الطاقة. كما أن التنسيق الأمني في حماية الممرات البحرية يمنح أديس أبابا موقعًا أكثر تأثيرًا في معادلات البحر الأحمر، ويعزز قدرتها على التفاوض مع القوى الدولية والإقليمية. وفق تقارير كريتيكال ثريتس، فإن الحرب الإيرانية قد تدفع الحوثيين لاستهداف مواقع في القرن الأفريقي، ما يزيد أهمية التعاون الأمني بين السعودية وإثيوبيا.
البعد الإقليمي والدولي
وأدت الحرب الإيرانية وما تسببه من اضطراب في أسواق الطاقة والممرات البحرية، إلى دفع السعودية إلى إعادة ترتيب أولوياتها في القرن الأفريقي، بما يشمل بناء تحالفات جديدة مع دول مثل إثيوبيا. هذا التوجه يمكن أن يفتح الباب أمام تعاون أوسع في مجالات التجارة، الاستثمار، والأمن البحري، بما يعزز استقرار المنطقة ويمنح إثيوبيا موقعًا أكثر تأثيرًا في معادلات البحر الأحمر. في المقابل، استمرار النزاعات في السودان وتوترات تيجراي يفرض على إثيوبيا تحديات داخلية قد تحد من قدرتها على الاستفادة الكاملة من هذه الفرصة، ما يجعل نجاحها مرهونًا بقدرتها على إدارة ملفاتها الداخلية بفعالية.
آفاق التعاون
إذا ما نجحت أديس أبابا في استثمار هذه اللحظة، فإن التعاون مع الرياض قد يتوسع ليشمل مجالات متعددة: التجارة والاستثمار عبر فتح الأسواق أمام المنتجات الإثيوبية وجذب رؤوس الأموال السعودية؛ والأمن البحري من خلال تنسيق الجهود لحماية باب المندب والممرات الحيوية؛ الطاقة والبنية التحتية عبر مشاريع مشتركة في الطاقة المتجددة والنقل؛ والدبلوماسية الإقليمية ببناء موقف مشترك في مواجهة النفوذ الإيراني والاضطرابات في السودان واليمن. هذه الشراكة يمكن أن تتحول إلى ركيزة أساسية في استقرار البحر الأحمر والقرن الأفريقي لعقد قادم.
يعتبر التقرير إثيوبيا أمام فرصة استراتيجية لتعزيز علاقتها مع السعودية في ظل الحرب الإيرانية، لكن نجاحها يعتمد على قدرتها على إدارة تحدياتها الداخلية واستثمار حاجة الرياض إلى شركاء موثوقين في البحر الأحمر. هذه اللحظة قد تحدد موقع أديس أبابا في التوازنات الإقليمية لعقد كامل، وتجعلها لاعبًا أساسيًا في معادلات الأمن والاقتصاد بين الخليج والقرن الأفريقي.