اهتمام غربي واسع بالعثور على نصوص من الإلياذة في جوف مومياء مصرية
سلطت وسائل الإعلام الغربية الضوء على العثور على بردية من «الإلياذة»، التي كتبها الشاعر الأشهر هوميروس، داخل جوف مومياء مصرية تعود إلى العصر الروماني؛ في اكتشاف استثنائي يعيد رسم العلاقة بين الأدب القديم وطقوس دفن الشخصيات رفيعة المكانة.
وفي اكتشاف أثري لافت، عثر باحثون على مقطع من ملحمة الإلياذة داخل بطن مومياء مصرية تعود إلى العصر الروماني، في موقع البهنسا جنوب القاهرة، المعروف قديمًا بمدينة أوكسيرينخوس.
ويكشف هذا الاكتشاف عن بردية وُضعت عمدًا داخل الجسد أثناء التحنيط، في خطوة غير معتادة تعكس تداخلًا ثقافيًا فريدًا بين الحضارة المصرية القديمة والتراث الإغريقي، وتسلّط الضوء على مدى حضور النصوص الكلاسيكية في مصر خلال الحقبة الرومانية، وفقًا لمجلة «أمريكان ساينتفك».
وأعلنت جامعة برشلونة أن هذا الاكتشاف يُعد الأول من نوعه في تاريخ علم الآثار، إذ عُثر على نص أدبي يوناني مُدرج بشكل متعمد ضمن عملية التحنيط، بعدما كانت البرديات المكتشفة سابقًا في السياق نفسه تحمل طابعًا سحريًا أو طقسيًا فقط.
وتكمن أهمية هذا الكشف في أنه ينقل النص الأدبي من سياقه التقليدي كعمل للقراءة أو الدراسة إلى سياق جنائزي، ما يفتح احتمالات جديدة بشأن استخدام النصوص الكلاسيكية في طقوس الدفن، وربما في المعتقدات المرتبطة بالحياة بعد الموت.
ويعود تاريخ المقبرة إلى نحو 1600 عام، ما يضعها ضمن الحقبة الرومانية المتأخرة في مصر، وهي فترة اتسمت بتداخل حضاري واسع بين الثقافات المصرية واليونانية والرومانية.
ويعزز هذا الاكتشاف فكرة أن مصر لم تكن مركزًا دينيًا وتاريخيًا فحسب، بل كانت أيضًا بيئة نشطة لتداول النصوص الأدبية الكبرى وتأثيرها خارج موطنها الأصلي.
وجرى العثور على المومياء داخل المقبرة رقم 65 في أحد القطاعات الأثرية بالموقع، خلال أعمال تنقيب امتدت بين نوفمبر وديسمبر 2025. وتميّزت هذه الحالة بوجود بردية موضوعة فوق منطقة البطن كجزء من طقوس التحنيط، ما دفع الباحثين إلى إجراء تحليلات متخصصة خلال حملة لاحقة في مطلع 2026.
وأظهرت الفحوص أن وضع البردية لم يكن عشوائيًا، بل جزءًا من الطقس الجنائزي، ما يشير إلى دلالة رمزية محتملة وراء هذا الاختيار.
وأوضحت الدراسات أن النص المكتشف ينتمي إلى الجزء الثاني من «الإلياذة»، وتحديدًا المقطع المعروف بـ«فهرس السفن»، الذي يسرد القوات اليونانية المشاركة في حرب طروادة.
توثيق تفصيلي للقوات العسكرية المشاركة
ويُعد هذا المقطع من أكثر الأجزاء شهرة في الملحمة المنسوبة إلى هوميروس، لما يتضمنه من توثيق تفصيلي للقوات العسكرية المشاركة، ما يمنحه قيمة أدبية وتاريخية كبيرة.
وأشار الباحثون إلى أن مدينة أوكسيرينخوس تُعد واحدة من أهم مراكز الحضارة اليونانية-الرومانية في مصر، وقد كشفت الحفريات فيها منذ القرن التاسع عشر عن آلاف البرديات التي تضمنت نصوصًا أدبية وفلسفية ووثائق إدارية، إلا أن ما يميّز هذا الاكتشاف كونه أول دليل على إدخال نص أدبي داخل مومياء في سياق جنائزي، وهو ما لم يُسجَّل من قبل رغم كثرة الاكتشافات في الموقع.
كما أسفرت أعمال التنقيب عن مجمع جنائزي يضم ثلاث حجرات من الحجر الجيري، احتوت على مومياوات وتوابيت خشبية مزخرفة، تعرّض بعضها للتلف نتيجة عمليات نهب قديمة، ورغم ذلك، تمكّنت البعثة من توثيق عناصر أثرية مهمة تسهم في فهم الطقوس الجنائزية في تلك الفترة.
ويقع موقع التنقيب على بعد نحو 190 كيلومترًا جنوب القاهرة، بالقرب من فرع النيل المعروف ببحر يوسف، ما يعزّز الأهمية الجغرافية والتاريخية للبهنسا كمركز حضاري بارز في العصرين اليوناني والروماني.
وتُعد البعثة الأثرية التابعة لجامعة برشلونة، التي انطلقت عام 1992، من أبرز البعثات الأجنبية العاملة في مصر، وقد حققت خلال حملتها الأخيرة بين أواخر 2025 وبداية 2026 نتائج وُصفت بالاستثنائية من حيث القيمة العلمية والتاريخية.
ويرى الباحثون أن هذا الاكتشاف يفتح آفاقًا جديدة لفهم العلاقة بين الأدب والمعتقدات الجنائزية في العالم القديم، ويثير تساؤلات حول ما إذا كانت هذه البردية تحمل وظيفة رمزية أو روحية، أو تعكس مكانة ثقافية خاصة للمتوفى، ما يجعل هذا الكشف إضافة نوعية لفهم تاريخ التفاعل بين الحضارات.